فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 309

لقد شعر (محمد عمران) خلال قصيدة (الطين) أن ثقة الإنسان بعصره، هذه الثقة المتزعزعة رويدًا رويدًا، أحالته على التفكير بنهاية مخيفة تنطوي على إحساس مؤلم بالعدمية وبالموت، بل إن الموت صورة حقيقية ومتوافرة بكثرة في هذا القرن، بدءًا من تهدم الإنسانية وموتها بصورته القصوى عبر الحربين العالميتين الأولى والثانية، أضف إلى ذلك تعثر الفرد العربي مرارًا وتكرارًا.

لقد ظهر الموت في قصيدة (الطين) ليس في الفرد فقط بل وصل أيضًا إلى جزئيات وعناصر كثيرة في المحيط الخارجي، عناصر تشكل بالنسبة إلى محمد عمران الملجأ الأخير للفطرية وللبراءة المفقودتين (عناصر الطبيعة) ، ولعلها - أي تلك العناصر- الملجأ الوحيد للإنسان الهارب من العصر، فإذا ما أصابها الموت أيضًا، فإن الخلاص سيصبح معضلة وينشأ العذاب، يقول محمد عمران في (الطين) :

دمٌ على الأشجار

أين تهدل الحمائم..؟

دم على الزهر

أين يجني عسله النحلُ؟

دم على الأعشاب

أين ترعى الماشية؟

دم في الحدائق

أين يلعب الأطفال؟

دم على أعتاب الجسد ونوافذه

على سريره ومائدته

أين يأوي الحب الراجع من الحقول؟

أين تتناول خبزّها القصائدُ

لعلّ كلمة (الدم) في النص أتت مطابقة في المعنى لكلمة (الموت) وهذا يشير حتمًا إلى أن الدم في النص صورة مطابقة للموت، ولا ريب في أن هذه الصورة تمتد على أرجاء المقطوعة متسعة لتشمل كل الأماكن المحيطة بذات الشاعر، فالمكانُ الذي لا يستطيع أن يهدل فيه الحمام، والمكانُ الذي لا يستطيع أن يقربه النحل، والمرتعُ الذي لا تستطيع الماشية أن ترعى منه، والحديقة التي ليس بوسع الأطفال أن يلعبوا فيها الخ.. إنما هو مكان لا جدوى ولا فائدة منه، ذلك أن الموت سيطر عليه ليقصيه عن عمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت