فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 309

وما دام هناك شعورٌ بأن الموت ينبسط على كل شيء، فهذا شعورٌ لا يمكن إلا أن يكون سوداويًا، لأن ما جرى في الواقع قد انفجر بسلبياته، وهو قابل للانفجار أكثر فأكثر، وقد أصابت شظايا الانفجار حيزًا مكانيًا واسعًا، وصار الموت حالة معمّمة.

إن الحمائم، والزهر، والعشب، والماشية، والأطفال، ونوافذ الجسد الخ، هي أشياء وعناصر لها دورها الفعال في تكوين الحياة، وهي نماذج حيوية على ساحة الواقع تخدم مسيرة الحياة والإنسان والكائنات الحية، غير أن هذه العناصر بفطريتها اصطبغت قهريًا بالدم (الموت) الناتج عن صراع سلبي.

وكان انتشار (الدم) في النص وسيطرته على تلك العناصر الحيوية، قد أشار إلى مدى الحصار الذي فرضه الموت الذي انتقل واتسع مداه إلى أجزاء أخرى من العالم المحيط حتى أصاب ذات الشاعر، حيث هذه الأجزاء مهدّدة في أمنها واستقرارها، وانطلق ذلك الشعور بالموت من الذات بالتأكيد، لأن الذات الشاعرة على وشك الانهيار، فإحساسها هذا يُكسب المحيط الصورة ذاتها للذات.

من جهة ثانية يشهد النص -عبر نظرة عميقة إلى السياق- صراعًا بين (الحياة) (العناصر والأشياء المذكورة سابقًا) وبين (الموت) الذي يمثله الدم، ولا يلبث هذا الصراع أن يميل لصالح الموت، حيث يشير اسم الاستفهام (أين) دائمًا في النص إلى نقطة الانعطاف في هذا الصراع لصالح الموت، وهذه العناصرُ التي أصابها الموت تنطوي في مخيّلة الشاعر على اغتراب شديد -فـ (أين) التي تفيد الاستفسار عن (المكان) ، تطرح عالمًا مثاليًا (مكانًا مثاليًا) يمكن أن تلجأ إليه العناصر والأشياء بعد أن داهمها الموت، والجوابُ على هذه الاستفسارات يدركه الشاعر جيدًا، وهو معروف من سياق النص، إذ لا مجال للبحث عن مكان آمن مادامت الأماكن جميعها ملطخة بالدم الذي يوحي بأشكال متعددة للموت وبسوداوية عالية، وهكذا فالتساؤل هذا في بحثه عن عالم مثالي يرمي إلى عملية التوازن النفسي عند الشاعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت