فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 309

يكمن العذاب في النص في أن تلك العناصر مجتمعة ذات معنى عميق جدًا، ومن ثم جاء الاغتراب عنها، وهي في ذاكرتنا ذاتُ معنى عميق أيضًا، إلا أنها تكتسب خاصية مميّزة عند الشاعر لأنه يتحدث عنها مرارًا وتكرارًا ليس فقط في هذا النص بل في نصوص كثيرة، وفي مجموعاته بشكل عام، حيث نشهد اتحادًا صوفيًا بينه وبينها، لأنها على درجة عالية من البراءة، فالقبحُ ليس كامنًا في هذه الأشياء، بل في الواقع السياسي الاجتماعي، الذي يحاول أن يجعل من تلك العناصر المحبّبة إلى نفس الشاعر قبيحة، فليس الدم الذي أوجد على الأشجار وعلى الزهر إلا بناء قبيحًا أدخل قسرًا عليها.

إن العذاب في نصوص (محمد عمران) الشعرية لم يرتق إلى عذابات (خليل حاوي) و (علي الجندي) ، فنحن نرى في نصوصه بين الفينة والأخرى حالات كثيرة من الولادة التي تجسّد انبعاث الجميل، وحالات من التحدي، كما في (اسم الماء والهواء) وهي إحدى مجموعاته الشعرية، ويقابل تلك الحالات الكثيرة ما يشابهها من رؤى سوداء قاتمة السواد، تُشعر المرء بأن (عمران) يمتلك من العذاب ما لا يمتلكه أي شاعر آخر كما في قصائد مجموعته (الأزرق والأحمر) [1] على سبيل المثال لا الحصر، وهذا عائد لا شك إلى تغيّر الموقف الفكري.

تبدو صورة الموت في (الأزرق والأحمر) مرعبةً، إنه يمتد في الزمان والمكان، يمتد في الإنسان، من أي كائن حي، ويصيب الأشياء كلها، بدءًا من الأشياء الصغيرة، وانتهاء بعناصر المحيط كله [2] .

(1) عمران، محمد 1982، قصيدة الطين، وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق - ص 31-32.

(2) يقول محمد عمران في قصيدة /عاش القرنفل مات القرنفل/ 1984 الأزرق والأحمر، اتحاد الكتاب العرب دمشق ص39

القمحُ، صوتك، لم يعد أخضر

فلِمَ البطاقات التي تدعو العصافيرا؟

ولِمَ السفارات التي أنشأت عبر

عواصم الأعناب والسُكّرْ؟

ولِمَ القناديل التي أشعلت

تجتذب المزاميرا؟

القمحُ صوتك، لم يعد أخضر

فاجلسْ إلى شفتيك يابستين

وانتظر المساميرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت