فهرس الكتاب
فإذا ما اقترن (الموت) عند (عمران) (بالدم) فإنه يقترن (بالرماد) عند (مصطفى الخضر) ، الرماد الذي يسيطر على الأشياء حوله، يقول في قصيدة (ذاكرة الرماد) [1] :
بين الإشاعةِ والنبوءة كان ينتشر الرمادُ
وكنت حين أراهُ يسعى في أراجيح الطفولة،
في صباح العشب والأوراق والأمواهِ،
كنتُ حين أراه أسقط أو أكاد
والشعرُ يسقط والعواصم والعباد
ماذا أرى؟ هيهات يبتدئ الحريقُ،
ولا طريق سوى الرماد
إنها صورة سوداوية أخرى للمستقبل، فالإيمان بأن يتلاشى الموت عن الأشياء صار مزعزعًا.
إن الرمادَ (الموت) ظاهرةٌ ضد (الحريق) الذي يحمل في جنباته التغيير والانعطاف من حال إلى آخر، وقد وَرَدَ (الحريق) في النص بصورته الإيجابية في (هيهات يبتدئ الحريق) ،كبناء معاكس للرماد (للموت الذي يسيطر على كل الأشياء) ، إلا أن هذا (الحريق) لن يُكتَب له الاشتعال، فالموت أصاب (أراجيح الطفولة، والعشب، والأوراق،والصباحات) .
وقد يكون (الرماد) في النص آت بمعنى (السكون) الذي يلفُّ الأشياء، ولكنَّ (السكون) أيضًا حالةُ من حالات الموت، لا ريب في هذا.
وفي كلا الاحتمالين هنالك شعور بالموت يلفّ أجزاء المحيط، وتتكثّفُ السوداوية المنطوية على الموت في (هيهات يبتدئ الحريق) التي وقفناعندها سابقًا، (فهيهات) بمعنى (بَعُدّ) وهو شعار سوداوي بخلاص الأشياء من السكونية ومن الموت، لهذا فإن هذا التركيب هو محورُ العذاب في النص، ونقطة تحوُّلٍ لصالح (الرماد) ، لأن (الحريق) بوضعه الإيجابي لم يعدْ في قاموس الشاعر.
(1) خضر، مصطفى، 1984- المرثية الدائمة، مطبعة وزارة الثقافة- دمشق ص18