فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 309

تبرز مظاهر (العدمية) كأحد تجليات (العذاب) في تراكيب متعددة في النص، (ينتهي حلمي ببارقة) ، (يخبو الطين في الطين) ، (فلا تجيب) ، (وتلوي لاتنجّيني) ، وتبرز -إضافة إلى العدمية- مسألة التشاؤم التي تنبئ بتأزم في الحالة، حيث عملت صورة (جمرة السخط) على مضاعفةِ حالةِ التأزمِ عند أبي شبكة، لأن (السخط) في ذاته أمر يوحي بعدم الاطمئنان والاستقرار، وعندما أُلحِقَ ذلك (السخط) بمفردة (جمرة) ازدادت فعاليته ودوره في بيان البناء النفسي للشاعر، وكذلك فقد عملتْ صورة (الظلمة الحمراء) العملَ ذاته في الصورة السابقة، فالظلمةُ تنبئ بسوداوية وتشاؤم، وعندما أُتبعت بمفردة (الحمراء) اكتسبتْ معنىً أكثر عمقًا ودلالة.

ويبدو أن (بوشكين) من أكثر الشعراء الذين تأثر بهم (الياس أبو شبكة) ولاسيما من خلال قصيدته (الغجر) ، إذ يعرض بوشكين في ديوانه لقضية (الحرية) في وجه (الحصار) الذي يفرضه الواقع المحيط، وقد بدا هذا التأثر على أكثر من صعيد، فالحلم بالحرية بإلحاح، واقتران هذا الحلم بالمرأة والحب وبالأجواء الرومانتيكية (الهرب إلى الطبيعة، التلذذ بالألم، العزلة) ظواهر رأيناها في المقاطع السابقة عند (الياس أبي شبكة) .

وهذه الظواهر لها مايماثلها بشكل كبير في قصيدة (الغجر) لبوشكين وقصائد أخرى متعددة [1] :

صوتي، الذي يضفي الحب عليه الوهن والحنين،

يشقُّ ظلام المساء والهدوء الحالم..

شاحبًا بجانبي، محترقًا،

الضوءُ الواهي يغيب بعيدًا..

ومن قلبي

تموج هناك القصائدُ الرشيقة وجداولُ الحب

التي تهمهم وتغنِّي وتذوب

وتندفع، حافلةً بكِ، بالهوى الطاغي.

يبدو لي أني أرى عينيكِ، مضيئتين، متوهجتين،

تقابلان عيني.. أرى ابتسامتكِ

أنت تحدثينني وحدي:

صديقي يا أعز الأصدقاء...

إنني أحب.. إنني لكَ.. ملككَ

(1) بوشكين، 1982، الغجر، ط1، قصيدة /مساء/ تر: رفعت سلام، دار ابن خلدون بيروت، ص70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت