ويبدو أن بعض الرومانتيكيين في أوروبا منهم //شاتوبريان// قد رأوا"أن التمزُّق والعذاب من نِعمِ المسيحية، وينتشر هذا الشعور بالانحلال والانهيار، ويصبح نبعًا في قلوب المعذبين، ينهلون من مائه الدامي ويتلذذون بغرائبه ومفارقاته" [1] ، إذْ لازال مفهوم /العذاب/ عند هؤلاء يقترن /بالألم/، ولابد من الإشارة إلى أنَّ الألم ولاسيما المعنوي منه حالةٌ جوهرية عند /المعذب/ الذي حدَّدْنا سماته في بداية البحث، بيد أن ذلك /الألم/ ليس كل شيء في /المعذب/، بل ينطوي تحت معطيات أخرى أساسية تُبْرِزُ هذه القيمة الجمالية وتمِيزها من القيم الجمالية الأخرى.
أما ظهور المدرسة الرومانتيكية في سورية ولبنان فكان في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، في وقت شهد فيه المجتمعُ العربي تحرُّكاتٍ هامةً على الصعيد السياسي خاصة وظهرت الأفكارُ الأولى حول إعادة النظر في البنية الاجتماعية العربية التي تعاني قصورًا في ميادين العلم والثقافة والنهضة الشاملة.
ولاريب أن نشأة (الرومانتيكية) في الشعر العربي الحديث قد نَتَجَتْ عن عوامل عديدة، جعلتْ هذا التيار يقف في الاتجاه المعاكس للتيار الإحيائي في الشعر، لأن (الإحيائية) لم تعد تستجيب -برأي (الرومانتيكية) على الأقل- لمعاناة الفرد وتأزماته التي خلفتها الحرب العالمية وما رافقها من إحباطات وتراجعات أثرَّتْ في الفرد العربي، الذي خرج من كابوس الاحتلال العثماني حديثًا ومن هذه العوامل:
1-العوامل الاجتماعية والسياسية.
2-العوامل الذاتية -النفسية.
1-العوامل الاجتماعية والسياسية:
(1) را: مكاوي، عبد الغفار 1972، ثورة الشعر الحديث، ج1، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، ص54.