وتعمّقَ الهم والعذاب رويدًا رويدًا عند بعض الشعراء الرومانتيكيين فكان تأزمهم النفسي كبيرًا، أودى بهم في نهاية المطاف إلى الانتحار، وإلى الشعور بالعدمية كعبد الباسط الصوفي -على سبيل المثال-، الذي ازداد شعوره بالخيبة وهو يستنتج من الواقع أشياء مؤلمة ومأساوية،"ومن الصحيح أنه كلما ازداد تطور الشعور لدى الشخص دقةً يشتدُّ فهمه واستخدامه للعالم الخارجي، ولكن من الصحيح أيضًا أنه كلما غامر أكثر بالخروج من نفسه بهذا الشكل يتعرض أكثر لردود فعل داخل شعوره وهو يخبرُ حالات ذهنية وانفعالية تكشف حساسيات خاصةً وبذلك تزيد إدراكه لنفسه ولتميُّزه حدة" [1] ، بيد أن بعض الرومانتيكيين أيضًا لم يتعمق لديهم العذاب فيصبح قيمة جمالية بارزة ويتخذ منحىً نفسيًا متأزمًا، حيث يمكن اعتبار (نزار قباني) واحدًا من شعراء المدينة الحديثة فلم يثبت أنه صُدم بالمدينة، بل"الثابت أنه فرح بها، معتنق لرموزها، ومعانيها مصور لنهر الحياة فيها، وإن كان معنيًا على وجه الخصوص بقطّاع المرأة، والطبقة الارستقراطية، ومن هنا فإن نزارًا يتمتع بوعي محدث منذ البداية، وظل هكذا متعشقًا للمدينة حتى وقعت المواجهة بين الشاعر وبعض الشعراء المهتمين بالدراسات الأدبية، الذين هاجموه في حمْلته على الشكل الاجتماعي للأمة العربية، فاتخذت المدينة في شعره شكلًا سلبيًا، وفي هذا لايخرج عن الوعي المحدث، بل يعمّق الوعي المحدث" [2] .
(1) كوليير، غراهام، 1983، الفن والشعور الإبداعي، تر: منير صلاحي الأصبحي، وزارة الثقافة، دمشق، ص53.
(2) أبو غالي، مختار علي، 1995، المدينة في الشعر العربي المعاصر- عالم المعرفة- عدد 196، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، ص97.