إن المدرسة الإحيائية تُشَكِّل بالضرورة (في زمن معين وظروف اجتماعية خاصة) حالةً مشروعة لابد منها كي تكون أساسًا للتيارات التي جاءت بعدها، فقد ارتأت المدرسة الواقعية في أوروبا أن الرومانتيكية لم تعد تلبيِّ متطلبات الظروف والمجتمع فخرجتْ عنها، وهاهي"الواقعية تنبثق عن الرومانسية وتنتقم من (أمها) هذه دونما شفقة، وتجلدها جزاء موقفها (المستهتر) بوقائع الواقع الموضوعي. والحقيقة هي أن اقتراب الفن من استيعاب هذه الوقائع العادية لم يصبح ممكنًا إلا بعد أن رفعت الرومانسية وجهة نظر الفن إلى نطاقات كونية. والآن عندما تتجه عين الفن من جديد إلى الواقع الأمبريقي فإنها ترى فيه شيئًا مختلفًا وبطريقة أيضًا مختلفة عمَّا كانت تراه واقعية القرن الثامن عشر، تلك الواقعية المهذّبة والعقلية" [1] .
بعد أن توقفنا عند نشأة المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي الحديث في سوريا ولبنان، وتبيَّنا عوامل النشأة والسمات والانتقادات التي وجهت إليها، وأدركنا ارتباط هذه السمات بالمعذب، سنستعرض في الصفحات القادمة صور ذلك (المعذب) وأشكاله، كما أبرزتْها المدرسة الرومانتيكية في الشعر في سوريا ولبنان.
تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية:
1-النموذج المغترب العدمي:
إن الجانب القيمي هو أكثر الجوانب بروزًا في (النموذج المغترب العدمي) ، إذ يبدو الواقع بمعطياته السلبية سببًا رئيسيًا في اغتراب الفرد عن القيم السائدة في بنية المجتمع ويمكن أن يتسع هذا الاغتراب ليصبح اغترابًا كليًا عن الحياة، ومن ثم يسيطر الشعور بعدمية الاستمرار والتواصل مع المحيط، حيث يبلغ التأزم النفسي أقصاه، في تلك المرحلة.
(1) غاتشيف، غيورغي، 1990، الوعي والفن، مجلة عالم المعرفة، ع146، تر: نوفل نيوف، مرا: د. مسعد مصلوح، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص256.