وإذا كنا في الحديث عن (النموذج المغترب العدمي) كأحد تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية، فلا بد من الوقوف قليلًا عند مفهومي (الاغتراب) و (العدمية) توضيحًا للدراسة ومدخلًا لها.
إن (المغترب) ليس معذبًا بالضرورة، ولكن (المعذب) مغترب لامحالة، فالصعلوك في العصر الجاهلي (مغترب بطولي) ، وأبو ذر الغفاري في العصر الإسلامي (مغترب بطولي) أيضًا، ولعل سمات المدرسة الرومانتيكية تتلازم و (المغترب) لاسيما المعذب منه، ذلك أن العزلة المترافقة بالأنين والشكوى والكآبات، هي عزلة المغترب المعذب وليست عزلة (المغترب البطولي) .
إن"كل مجتمع يريد من الفرد أن يتماثل في المعايير العامة، بينما يسعى كل فرد ليتماثل في معاييره الذاتية. ولايعود الإنسان يدرك ماذا يحدث، بل لايعرف المغزى من وجوده. فتطفو عندئذ مشاعر العزلة، والقلق والتخلي والنبذ، والشد، والاغتراب" [1] حيث يعيش الفرد تناقضًا بين ذاته المفعمة بالخلاص مما هو سائد وبين المحيط الذي ينتج إشكالياته، مما يجبره على الأنين والحسرة والهرب إلى أحضان الحلم، وقد"انتقلت عدوى (( الغربة ) )أو (( الاغتراب ) )أو (( الانفصال ) )من اللاهوت إلى الفلسفة، وخاصة أقسامها المتعلقة بالحق والأخلاق، وذلك أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، أي في أجواء الصراع اللاهوتي -اللاهوتي، والصراع العلمي- اللاهوتي" [2] ، حيث تطوَّر مفهوم هذه الغربة رويدًا رويدًا مع تقدُّم الزمن و"اكتسب مفهوم الاغتراب (أوالاستلاب) حق الوجود الفكري الراسخ، منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومايزال حتى يومنا هذا، بين المفاهيم الفكرية البارزة في الفلسفات المعاصرة، وفي علم الاجتماع" [3] ."
(1) داكو، بيير، 1990، علم النفس الجديد، ط1، تر: سامي علام، دار الغربال، ص45.
(2) عبد الجبار، فالح، 1991، المقدمات الكلاسيكية لمفهوم الاغتراب، ط1، مؤسسة عيبال للدراسات، قبرص، ص11.
(3) المرجع السابق، ص3.