فهرس الكتاب
إذ إن الطرد حالة معنوية تنبئ بأنّ المكبوتات تريد أن تظهر على أرض الواقع، غير أن المجتمع لايسمح بذلك، فتظلّ هذه المكبوتات تطارد (الأنا) إلى حد الإرهاق، فتشعر الذات بعدمية تحقيق الرغبة ومن ثم يجيء الاغتراب الذي يتحول مع ازدياد الإحباطات وازدياد الشعور بالعدمية إلى اغتراب كوني ذي سمات مرعبة (تخطفني لمحات السراب) ، فالصوفي لم يقل (يخطفني السراب) بل أصرّ على وجود (لمحات) التي تفرض تحولًا على الصعيد النفسي باتجاه العدمية (السراب) الذي لاح في الأفق كنتيجة نهائية لتراكم الصور القاتمة في مخيلته، التي أرادت عالمًا مثاليًا يقوم على تغيير جذري في معطيات الوجود، ومن هنا ظهرتْ ملامح (الاغتراب الروحي) والقلق المتعاظم القائم على تأزم نفسي هائل، ثم إن تكرار تركيب (أعود إلى الناس) آت من الرغبة في تحقيق حلمه بالعودة إلى مجتمع مثالي ذي علاقات مختلفة عما هي الآن، وتجلَّى ذلك التأزم النفسي في النص في (أحشرج بين الشعاب) ، فالفعل (أحشْرجُ) يوحي بصوت متعب ويدل على صراعٍ نفسي كبير أدَّى إلى عملية (الحشرجة) ، وعندما ارتبط ذلك الفعل بـ (الشعاب) ازدادت الحالة سوءًا، لاسيما أن /الشعاب/ تشير إلى حالة من التبعثر والضياع و /الشعاب/ يتم إسقاطها نفسيًا -ضمن السياق الاجتماعي لحياة الصوفي- على أنها الانكسارات التي رافقت الشاعر طوال حياته القصيرة، وسببت له الاغتراب الروحي، وترافق هذا الاغتراب في النص بالانطوائية والعزلة والصمت كما في (يمضغني الصمت) ، فالصمت تعطيلٌ للإرادة عن فعل الكلام، وغالبًا مايتَّسِم الكئيب بالصمت الذي هو حالة عدوانية هنا بوجود الفعل (يمضغني) ، ثم يأتي (البوح) ، غير أن ذلك (البوح) ليس مخلّصًا من عدوانية الصمت بل هو حشرجةٌ أيضًا، ولايؤدي وظيفة نفسية تفريغية أو تصعيدية.