فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 309

وتُتَوَّج الحالة المتفاقمة في النص بالسقوط المفجع في (أهوي إلى الأرض من غير روح) تعميقًا لقضية الغربة، وإيذانًا بتهاوي الجسد خاليًا من كل أملٍ.

كثر في النص استخدام ياء المتكلم (ظلِّي، تخطفني، يمضغني، أهوي، روحي) تثبيتًا للغربة الذاتية لدى الشاعر، وتعميقًا للعزلة لديه، وكثر أيضًا استخدام حرف الربط (الواو) ، فلم يقلل هذا الاستخدام من شأن الحالة، حيث يدور النص حول بؤرة نفسية واحدة متماسكة.

تتوضَّح في قصيدة (الطريق) لعبد الباسط الصوفي ظاهرة (الاغتراب الروحي) التي تنطوي على (القلق الوجودي) أيضًا، وتظهر في هذه القصيدة عدمية الصراع مع معطيات الزمن وتبرز العبثية واللاجدوى في مواصلة مسيرة الحياة يقول الشاعر في (الطريق) : [1]

عبثًا أنظر في الأعماق، لا أبصر شيًّا

والمدى الشاحب، مامات رؤى في مقلتيّا

هكذا أمضي مع الدهر، ولا أشكو المضيّا

أتخطَّى الزمنَ الموغِل إيقاعًا خفيّا

أنا لاشيء، ولاشيء وجود الكون فيّا

تنطلق العدمية في النص من العبثية واللاجدوى في استشراف كل ماهو جميل (عبثًا أنظر في الأعماق) ، وبالضرورة فإن تلك اللاجدوى في الاستشراق أسهمت في إنجاز نموذج (المغترب العدمي) في الأبيات، لأن القبح حالةٌ متفشية ليس في المجتمع والواقع فقط، بل في تركيب الكون كله، إذ يبدو أن هناك حالة نفسية متطورة عن حالات أخرى متأزمة (من عدم الثقة بالواقع إلى عدم الثقة بالذات إلى عدم الثقة بالحياة كلها) ، ومن ثم نحن إزاء بناء نفسي يعوم في بحر من القلق المزمن إزاء هذا الوجود.

(1) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط، ص31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت