فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 309

أشرنا قبل قليل إلى أن العبثية هي مفتاح النص وهي مفتاح الغربة أيضًا، فالأبيات محكومة بفعل (العبث) ، ثم توالت التركيبات التي أدَّتْ إلى تعميق هذا الفعل (لا أبصر شيا، هكذا أمضي مع الدهر، أنا لاشيء ولاشيء وجود الكون فيّا) ، ومنذ البداية يوحي النظر إلى الأعماق في (عبثًا أنظر في الأعماق) باحتمالات متعددة على صعيد المعنى، أول هذه الاحتمالات يفضي إلى معنى (النظر إلى المستقبل) أو (النظر في الأفق) ، ويظهر أنه مستقبل منعدم لاوجود له، ولم يعد الزمن قادرًا على التحرُّك نحو ذاك الأفق (المستقبل) ، وثاني هذه الاحتمالات: يحيل على معنى نفسي عميق، وهو النظرُ إلى (الذات) الفارغة المظلمة المغتربة، حيث (الأنا) استنفدت كلَّ وسائلها لتلبية مايلحُّ عليها، ولكنها لم تتمكن من فعل أي شيء يعيد إليها استقرارها، ولعل تركيب (المدى الشاحب) جامع للاحتمالين السابقين غير أن الاحتمال النفسي يفرض إيقاعه أكثر، فالمدى الشاحب ينمّ على رؤيا فردية خاصة بالصوفي، ولايمكن أن يكون ذلك المدى جميلًا إلا إذا حملته (أنا) مستقرة.

في البيت الثالث يطالعنا تركيب (هكذا أمضي مع الدهر) الذي يسم الشاعر بالعشوائية وبالتيه في وجوده وفي تحرُّكه على ساحة الحياة، لأنه غير مطمئن وغير واثق بخلاص بعيد أو قريب، كما أن مفردة (هكذا) في ذاتها -وضمن سياق النص وحياة الصوفي- تُوَضَّح النتيجة النفسية والمآل الذي آلت إليه حياة (الصوفي) ، وتشير هذه المفردة من زاوية أخرى إلى مرحلة لاحقة لأخرى سبقتها، فهي نقطة انعطاف بين هاتين المرحلتين، حيث المرحلة الأولى (السابقة) هي الزمن الذي تجمَّعت فيه المكبوتات بأنواعه، أما الثانية فهي الزمن الذي حدثت فيه ردة فعل الشاعر على هذه المكبوتات التي تجلت على هيئة ضياع وتمزُّقٍ وجوديين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت