فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 309

ويستمر هذا التمزق في قلب الوجود ليبلغ في البيت الأخير ذروته، لأن هذا البيت يُشَكِّلُ نموذجًا مثاليًا (للمغترب العدمي القلق وجوديًا) ، فهنالك نفي لـ (أنا) الصوفي (أنا لاشيء) وهنالك نفي أيضًا للكون بكل علاقاته عن ذات الشاعر (لاشيء وجود الكون فيَّا) وهذان النفيان كافيان لإقامة العدمية وصولًا إلى الانتحار، إذ تبدو العدمية في هذا البيت مقترنة بفقدان قيمة الذات بشكل مطلق، ويخرِّب هذا الفقدان كلَّ شعور بالبقاء وبالاستمرارية، فيتحقق الانسحاق الشامل.

تتصاعد الحالة في النص بدءًا من نقطة العبث في البحث عن الذات وتنتهي بتلاشي الذات، وتدمير الكون في داخل تلك الذات، ولعل الحياة القصيرة التي عاشها عبد الباسط الصوفي (1931-1960م) كُثَّفت في الأبيات السابقة عبر التصاعد الذي رأيناه في الحالة والذي ييتناسب وتفاقم الأزمة النفسية لديه، وكلُّ ذلك في ظل مجتمع يعاني ويلات المرض والحروب (الحرب العالمية الثانية، نكبة فلسطين، العدوان الثلاثي على مصر، الخ....) .

ب- النموذج المغترب قيميًا (الواقع الاجتماعي) :

أشرنا في بداية الدراسة إلى أن الظواهر الاجتماعية الفاسدة تنعكس سلبيًا على نفسية المعذب، فلا يقوم بعد هذا الانعكاس بأي فعل ثوري من شأنه أن يغيّر بنية المجتمع كما يفعل (التراجيدي) ، ويشعر بعدمية الحل وباغترابه عن تلك الظواهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت