فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 309

نسبق الشمس أن تطلَّ، ونسري في ضمير الدجى سريٍّ المواشي

بتُّ واللّه أشتهي الناس، ناس المدن، تروي لنا حديث الحياة

كلّ ماحولنا جماد، وناس، ببغاء، في شهوة السائمات

تشهد العلاقة بين القرنفلي والواقع ترديًا ملحوظًا، فيبتعد المجتمع بقيمه عن احتياجات ورغبات الشاعر، وباتت الغربة عن تلك القيم سببًا رئيسًا في الغربة القيمية ووليدًا شرعيًا لها، ومن ثم كانت سببًا في انعدام الخلاص من الأوضاع والعلاقات السائدة.

تختلف العدمية في نص (وصفي القرنفلي) عن عدمية (الصوفي) في نصيّه اللذين وقفنا عندهما سابقًا، فالعدمية في الأبيات السابقة تبرزُ من خلال العلاقة المباشرة بالمجتمع، وتوحي بعدم وجود حلٍّ لما يحدث في المحيط، أما (عدمية الصوفي) في نصيّه السابقين فتتسع لتأخذ منحى وجوديًا مرعبًا على الرغم من أن المجتمع وظروف الصوفي العصيبة كانت سببًا وأساسًا لانطلاقه إلى تلك العدمية المرعبة.

نعود إلى أبيات القرنفلي لندرك أن ضياع الشاعر كان متلازمًا مع فقدان الثقة بالأفراد (ونسري في ضمير الدجى سري المواشي) وفقدت الحياة حيويتها وحركتها بزوال الإخلاص والأخلاق السامية (كلُّ ماحولنا جماد، وناس، ببغاء) ، ولابدَّ من البحث عن عالم جميل يعوِّض عن اغتراب الشاعر وعن قبْح الواقع، فلم يتعدَّ هذا البحثُ المضني الاشتهاء والحلم (أشتهي الشمس أن تشرق، أشتهي الناس تروي لنا حديث الحياة) ، ذلك أن العيش في (مساحة) مخنوقة يفرض على (الأنا) تفكيرًا ينطلق من الفراغ ويصبُّ في فراغ، ويتراجع فعْلُ (الذات) باتجاه العدمية (أنا ميت الشباب) .

في مرحلة الشباب تكثر احتياجات (الأنا) وطموحاتها، ثم تتخلى عن طموحاتها إذا ماتعرَّضتْ لحالة من الحصار، فيتلقف اللاشعور تلك الاحتياجات ويخزّنها، و (الشهوة) المطروحة في النص السابق تعني أن (الأنا) لم تتنازل عن رغباتها للمجتمع، ولكن أرجأتْ تحقيقها مجبرة، فعندما شعرت أن هذا الإرجاء سيطول انسحقت واغتربت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت