فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 309

يطرح النص (المدينة) كمعضلةٍ وعقبة في البيتين الأخيرين، فهي حلقة سلبية أساسية من الحلقات التي تُطْبِق بخناقها على الشاعر، حيث هنالك قصور في تفكير الأفراد الذين تسيطر عليهم ذهنيةٌ مريضة (كلُّ ماحولنا جماد، وناس، ببغاء) .

يزاوج (القرنفلي) في لغته بين المفردات التي تدل على الفردية (أنا ميت، أنا في هذه المساحة، بتُّ، أشتهي) وبين المفردات والتراكيب تشير إلى صيغة الجمع (نسبقُ الشمس، نسري، كلُّ ماحولنا) ، بيد أن هذا الجمع يمكن أن يحال على احتمالين: أولهما: أن استخدام الجمع آتٍ لتضخيم ذات الشاعر وتضخيم غربتها وشعورها بالعدمية. ثانيهما: أن الجمع يدل على الكثرة وبالتالي يؤدي معنى التشتُّت النفسي والتبعثر، لأنه ليس من المنطقي أن يكون جميع الناس غرباء عن المدينة، لذلك فإن التشتت حقيقةٌ ترتبط بالشاعر، حيث يؤدي تركيب (كل ماحولنا) معنىً فرديًا (كل ماحولي) ، و (نا) الدالة على الفاعلين ذات مرجعية نفسية عميقة، وهي مجموع (اللاشعور+الشعور) اللذين يصطرعان في (ذاتٍ) واحدة هي (ذاتُ) وصفي القرنفلي.

وكذلك فإن مفردة (المساحة) تحمل إيحاءً نفسيًا واسعًا، إذ تشكِّل في النص سجنًا نفسيًا أكثر منه مكانيًا، فهي ساحة للصراع، الذي مالبث أن تراجع أمام وطأة الاختناق والموت (أنا في هذه المساحة كالمحكوم بالموت) .

مما سبق ندرك أن القيم التي طرحها (وصفي القرنفلي) في المجتمع والتي جعلتْ منه معذبًا، ترتكز على الشعور بأن الأفراد في الواقع قد فقدوا جوهر الإنسانية الحقيقي القائم على الحب، وفقدوا الود والبراءة والحميمية (أشتهي الناس ناس المدن، تروي لنا حديث الحياة) .

والشاعرة هند هارون تصرّح بمصدر غربتها وضياعها، كما فعل من قبل وصفي القرنفلي؛ فتراها تقول في قصيدة لها بعنوان (أين الصحاب) [1] :

عبثًا ألوب.. ونفسيَ الظمأى.. تحنّ إلى الصديقْ

(1) هارون، هند، 1977، ديوان سارقة المعبد، دار الأنوار للطباعة، ص237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت