فهرس الكتاب
إن إصرار الشاعرة على (الطريق) نقطةُ انعطاف في مسيرتها النفسية، ففيه يحدث اللقاء مع الآخر أوْ لايحدث، إنه لقاءٌ على صعيد القيم وليس لقاءً ماديًا جسديًا، و (الطريق) هو خط الهجوم الأول الذي تواجهه (الأنا) ، لأنه مسرح للعمليات الاجتماعية بمختلف أشكالها. ويرتبط التكرار السابق بتكرار آخر لمفردة (الصديق) ومعانيها (نفسي الظمأى تحن إلى الصديق، أضمُّ الصحب، حيث لاخلٌّ، لارفيق) .
إن الصديق مصدر من مصادر الحميمية والطمأنينة ويعزَّز الاستمرارية في الحياة، وهو من العوامل الهامة في استقرار (الأنا) إذا تطورت العلاقة معه ليصبح (خلاًّ) ، وهكذا يشكل البحث عن (الصديق) في النص السابق بحثًا عن قيمة اجتماعية إيجابية، بل عن عالم أكثر إنسانية ومرونة.
لقد كثر في النص أيضًا استخدام صيغ النفي والتقهقر (لاخلٌّ، لارفيق، ماخنتُ، التنكر، العقوق، الغريق، أنثني) ، ولعلها صيغٌ تفسِّر تراجع (الأنا) وانغماسها في الحزن والغربة، فحرفُ النفي (لا) ضربة مؤلمة للشعور بالأمل وبالوصول إلى نتيجة سعيدة، وجاء الفعل (أنثني) ليسوق لنا كيف حاولت الشاعرة إضفاء بعض المرونة على سلوكها كي تتواصل مع الآخر، إلاّ أن ذلك الآخر رفض حبل التواصل، ويمكن أن يؤدي الفعل (أنثني) معنى (التورية) التي قامت بها (أنا) الشاعرة لاستقطاب الصديق والخليل بشكلٍ لاتصبح معه (التورية) تنازلًا من (الأنا) عن حقوقها.
جـ- علاقة المغترب العدمي بالمرأة:
"لقد فهم الرومانطيقيون الحب على أنه شعور سماوي أخوي، يعتمد على صفاء الروح وطهر المشاعر يتخذ حالة من الشرود، وأحيانًا أخرى حالة من الوصال اللاوعي وثالثة يتخذ لغةً غير مفهومة لأن أصحابها هم أيضًا عاجزون عن ترجمتها، وقد اتخذ لدى البعض نوعًا من أنواع العبادة الخالصة تطوَّرت فيما بعد إلى حالة صوفية خالصة" [1] .
(1) الأيوبي، ياسين، 1980، مذاهب الأدب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ص119.