فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 309

لم يأت الإغفاء في تركيب (أمسك الجرحُ بسمةً في شفاهي ثم أغفى) بمعنى النوم، بل جاء ليعزِّز كلامنا السابق في أن (الجرح) مجموعة من الكبوتات، فالإغفاءُ جاء بمعنى (الترسُّب) ، أي (ترسُّب) تلك المكبوتات، وهذا مايفرضه سياق الأبيات بإلحاح، ثم إن الذوبان في (ذاب أفقًا فأفقًا) لم يأتِ بمعنى (الانعدام) بل بمعنى (التفشِّي) ، أي تفشى الجرح وترسَّب.

2-الأم حضن الطفولة:

للمرأة (الأم) نصيب في شعر (عبد الباسط الصوفي) فهي الحضن لكل خير وعطاء، وأما رحيلها فرحيلٌ للأمل كله، وبدايةٌ للشقاء والعذاب، فنراه يقول في قصيدة له بعنوان (أم) [1] :

أنا قربَ السرير، أنسج يا أمَ.

أمانيَّ من شحوب المساء ... ... (مدور)

وغدًا أنزوي، وتمشين للقبر

وتصحو الخطى، على أشلائي ... (مدور)

أيُّ نجمِ، هناك في الأفق النائي

ترامى... على ذيول السماء؟ ... (مدور)

أين كفاك؟ لوّحي بالدعاءِ

السمح، أو فامسحي نزيف الدعاءِ ... (مدور)

اسْنديني، هنا تكفكفَ فجرُ

الروح، وامتد عالم من شقاء ... (مدور)

وهنا في انسراح دنياك جفّتْ

أغنياتي، وأُجفِلَتْ كبريائي

وبعينيَّ مابعينيك يا أمُ

جراحٌ تنام خلف الدماءِ ... ... (مدور)

وتحاملتُ للسرير، وضلّتْ

رعشاتي على ضلوع الشتاءِ

يضع عبد الباسط الصوفي (الأم) مقابل العدم، لما تحمله من معان تصبُّ في نهر الحياة، فمجرّد ذكر الأم هو حنين خفي إلى الطفولة، وتحديد المكان في بداية الأبيات (أنا قرب السرير) وارتباطه بالأم يوطِّد الحالة (اللاشعورية) بالحنين إلى الطفولة والماضي البعيد.

(1) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط الصوفي، ص7-8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت