فهرس الكتاب
إن سياق الأبيات يفضي إلى انهيار شديد وتدهور نفسي باتجاه العدمية، لأن الإحساس بديمومة الأم كعامل من عوامل الخلاص قد تضاءل (وغدًا أنزوي، وتمشين إلى القبر) ، حتى أن تلك العدمية قد انسحبتْ على الأم ذاتها، حيث انعكس شعور (الصوفي) بهذه العدمية على ماحوله (وبعينيّ مابعينيك يا أم، جراح تنام خلف الدماء) فأصبح كل مايفعله هباء منثورًا، ويحيل على عمل عبثي (أنسج أمانيَّ من شحوب المساء) وبالتالي يحيل على الاغتراب، لأن الأم تحمل قيمًا سامية عليا (الحنان، العطاء، الخير، الرحمة، الخ...) ، وإن رحيل الأم يعني رحيلًا لتلك القيم العليا مضافًا إليها تلك القيم التي رحلتْ عن المجتمع، والتي أشرنا إليها سابقًا.
لم تستطع الأم (كبديل للتناقضات الموجودة على ساحة الواقع) أن تخفِّف من نزق (الصوفي) وصراعه الداخلي المرير، وهذا ماصوَّرته اللغة المستخدمة في النص، فالتوليد الذي شهدته الصورة الشعرية جاء تعبيرًا عن الحالة وموضِّحًا لجزئيات الحدث النفسي (تصحو الخطى على أشلائي، هنا تكفكفَ فجرُ الروح) ، وإنه لمن الأهمية بمكان أن نقف عند تركيب (جراح تنام خلف الدماء) فنستخلص منه الأبعاد النفسية لحياة (الصوفي) ، وقد خصَّصْنا هذا التركيب بالاختيار لما يحمله من غرابة وطاقة نفسية إيحائية عالية.
يظن المرء لأول مرة أن (الدماء) هي (الجراح) ذاتها أو أن الدماء وليدة من الجراح، بيد أن الجراح أضحتْ في قاموس (الصوفي) تعني المواقف السلبية الحادة التي هزتْ كيانه، مضافًا إليها مختلف أنواع الكبت والحرمان الاجتماعيين، فالرؤيا التي تقوم عليها حياة (الصوفي) لاتؤمن بمستقبل مشرق أو خلاص قريب بل تقوم على اللاجدوى وعلى الموت الذي يلف الحياة.
قبل أن ننتهي من الحديث عن (المغترب العدمي) نشير إلى أن هناك شعراء آخرين في المدرسة الرومانتيكية قد طرحوا (المغترب القيمي) ومنهم الشاعر (علي دمر) [1]
(1) يقول علي دمر في قصيدة (دوزنة) :
نظرتُ لواقعي ففزعتُ منه ... مآس لاتحبَّر في مقال
رنوتُ لواقعي فهربتُ منه ... إلى كون زهي في خيالي
... 1959/ ديوان المجهولة / مطبعة الإصلاح، بيروت، ص9.