فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 309

الذي تعرَّض في حياته لنوعين من الحرمان: الأول عاطفي والثاني إنساني محض يعتمد على استعباد الفرد للفرد الآخر، لذا فإن سمات (المعذب) عنده تنطلق من هذين النوعين من الحرمان.

أما الشاعر اللبناني (الأخطل الصغير) فإن مفهوم (المعذب) بوصفه قيمة جمالية لم يتبلور في نصوصه، حيث يعرض الشاعر في قصائده للمغترب بمفهوم (المهاجر) [1] ، إذ يشكل الاغتراب عن الوطن (مكان النشأة) انعكاسًا سلبيًا على الذات، فالفرد تربَّى على مجموعة من القيم الاجتماعية وعايش ظروفًا تختلف عن تلك التي سيراها في الغربة.

إن المغترب المهاجر ليس معذّبًا بالضرورة إلا إذا توافرت عدة شروط في الهجرة: الصفة القهرية للهجرة، ديمومة الهجرة، تأزم الحالة النفسية للفرد المغترب، فقدان الأمل بالعودة، ومن ثم العجز أمام وطأة القيم الجديدة.

ثم إن اللغة التي جاء بها (الأخطل الصغير) في حديثه عن الاغتراب (كما في قصيدة المهاجر) تعود بحاملها الاجتماعي إلى عصور سابقة في تاريخ الشعر العربي، فهي على الصعيد النفسي تُظهر تقاطع (أنا) الشاعر مع (أنا) شعراء آخرين إن كان في المدرسة الإحيائية أو في النصوص الشعرية القديمة (الشعر الجاهلي، الشعر الإسلامي) .

كما أن الشاعر (عمر أبا ريشة) لم يتوضَّح عنده /المعذب/، ولم يظهر في نصوصه ويمكن رد ذلك لظروفه الاجتماعية، أما ما نراه من تشاؤم في بعض قصائده فمردُّه إلى التأثر بالأدب المهجري والثقافات الغربية ومسايرة الركب الرومانتيكي، فحياةُ عمر أبي ريشة تكاد تكون مستقرة إلى حد كبير، ومن هنا لايمكن أن يكون عمر أبو ريشة معذَّبًا حيث تألق هذا الشاعر في إبراز المفاهيم الجمالية المشرقة (الجميل، البطولي،....) .

(1) يقول الأخطل الصغير في قصيدة له بعنوان /المهاجر/

أشجاكَ أنك رائح لاترجعُ

وهواكَ والأوطانُ بعدك بلقَعُ

متلفِّتٌ.. ماتبتغي؟ متوجعُ

ماتشتكي؟ متنصت ماتَسْمَعُ

1972، الديوان، ط2، دار الكتاب العربي، بيروت، ص29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت