فهرس الكتاب
من المفترض أن نشير إلى مسألة على جانب كبير من الأهمية، وهي أن (المازوخي) في ذاته لايشكل معذبًا، إلا إذا كانت الحياة الاجتماعية والأجواء العامة للشاعر (المازوخي) ذات طبيعة تحيل على قيمة (المعذب) كظاهرة جمالية، أي أنه يتوجّب على المازوخية أن تترافق بحياةٍ سوداوية أو مغتربة أو معدومة حتى يتحقّق شرط العذاب، فالآلام والتلذذ بها لايصنعان عذابًا، بل لابد أن تكون تلك الآلام موجودة في حضن السوداوية.
والاغتراب والاستلاب من التجليات التي تتلازم وقيمة /المعذب/، وأن تصبح تلك التجليات متأصلة وتشغل حيزًا كبيرًا من حياة الشاعر إلى حد نفسي متأزم، وعندها يصبح للآلام وضعٌ آخر"فعندما تنتهب نفسَ الشاعر الآلام، يجد عوضًا عنها تلك اللذة التي يستمتع بها وهو في نشوة الوحي، وفي هذه النشوة يكمن مرض الشاعر ودواؤه ولابد أن يعني هذا أنه بسبب تلك الآلام كان الوحي، ومع الوحي كانت النشوة، أي أن المعاناة كانت السبيل إلى الوحي، أي الإبداع وكان الإبداع وسيلة لإخضاع تلك الآلام والتلذذ بها، فلولا الآلام ماكان الوحي ولولا الوحي ماكانت اللذة، فإن كان هذا ليؤكد شيئًا فإنه يؤكد تلك العلاقة السببية بين عصاب الفنان وقدرته على الإبداع" [1] .
أما (السوداوية) فهي مرحلة متقدمة من (التشاؤم) فلا يشكِّل التشاؤم في ذاته سمة من سمات المعذب إلا إذا تضخم وصار قريبًا من الهاجس وتطبع فيه الشاعر، فالسوداوي يتوقع أسوأ الاحتمالات في الأفعال عبر الأحداث التي تجري وستجري على أرض الواقع، وينظر إلى تلك الأفعال دائمًا على أنها مصائب وويلات ويغيب التفاؤل عن دائرة تفكيره، ولاتنشأ السوداوية مصادفة أو عن عبث، بل تتأسس على جملة من الظروف والصدمات القاهرة للفرد، وغالبًا مايكون المجتمع سببًا رئيسيًا في تلك السوداوية.
(1) اسماعيل، عز الدين، 1963، التفسير النفسي للأداب، دار المعارف، القاهرة، ص29-30.