فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 309

وقد تكون الحوادث التي تصيب الحياة الأسرية من وفاة أو فقدان لعزيز سببًا من أسباب تلك الظاهرة النفسية، وربما تنشأ السوداوية أيضًا من تفكير المرء بالجزئيات التي يقوم عليها تركيب هذا الكون والتدقيق والتمحيص في خوافيها، فيقعد عاجزًا عن ملاحقة المجهول والغامض منها ويتداخل القلق بالسوداوية، بل إن السوداوي قلقٌ بالضرورة، ولكن القلق ليس بالضرورة سوداويًا إلا إذا تعاظم لديه القلق وصار يشغل حيزًا هامًا من طبيعته النفسية، أما صور (السوداوي المازوخي) في المدرسة الرومانتيكية فقد تجلّت على الشكل التالي:

أ- صور الحرمان العاطفي:

نستهل حديثنا في هذا الجانب بالوقوف عند الشاعر (نديم محمد) ، الذي يبدو أنه تعرّض في سن مبكرة لانتكاسة عاطفية، إضافة إلى الكبت الذي رافقه طوال سن المراهقة وهو في أوج نشاطه وحيويته، فكانت تقاليد المجتمع وتزّمت أفراده عامل قمعٍ واحتباس لقدرات الشاعر ورغباته، وقد أشار إلى ذلك في مقدمة ديوانه فراشات وعناكب فقال:"واستعرَ جحيمُ الكبت في صدري حتى أحسست له مخالب ونيوبًا تجرح وتمزّق وانهملت على جراحاتي لسعاتُ الحبِّ فكانت هذه ضرمًا فوق ضرم" [1] - وتعرض أيضًا لهزتين عنيفتين أسهمتا في تعميق البعد السوداوي لديه إذ يضيف قائلًا"وجاءت وفاة والدي هزةً مادت بها الأرض من تحتي، وقصفًا تخلَّعت منه أعصابي، وانفجرت بعد سنين أكبر حادثة مدمرة في حياتي هي: فجيعتي بأخي الصغير" [2] - ويتابع أيضًا قائلًا"وعشتُ لأرى القبح النفسي، وأشهد الكره الرخيص، عشتُ لألمس الكذب في القول والغشّ في المعاملة والسرقة، عشت، لتصدّع قلبي وتطرف عيني مناظر الخيانة وتجارة المبادئ وبطولة الجبناء" [3] .

(1) محمد، نديم، 1985، ديوان فراشات وعناكب، ط2، دار الحقائق للطباعة والنشر، بيروت، ص9.

(2) المصدر ذاته، ص11.

(3) المصدر ذاته، ص12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت