فهرس الكتاب
ومهما يكن مصدر السوداوية وسببها عند أي شاعر كفرد من الأفراد، فإنها تعمُّ لتشمل كل مناحي الحياة لديه، وبمعنى أوضح: إن السوداوية الناتجة عن انتكاسة عاطفية -على سبيل المثال- أدى أحد الأفراد تؤدي بذلك الفرد إلى فقدان الثقة بالآخر، حتى لو كان ذلك الآخر مصدر خيرٍ وعطاء، وربما يتطور فقدان الثقة ليشمل الحياة برّمتها بحيث يصبح لاشعور الفرد بؤرةً ومصدرًا للخلل والقلاقل وتقوم (الأنا) بتحويل كل مالديها إلى صور قاتمة قبل مرورها إلى اللاشعور، الذي اعتاد على مثل تلك الصور.
يقول نديم محمد في قصيدة /النشيد الأول/ من ديوان /آلام/: [1]
هبَّ من وحشة السنين غرامي ... وأفاقت من غفْوها آلامي
أيُّ ذئب مهمهم الشدْق في صد ... ري وسهم ممزِّق وضرام؟ (مدور)
هدرةٌ في جراح نفسي وجوعٌ ... ينهش الحسَّ بالنيوب الدوامي
وتفحُّ الأوجاع ملء ضلوعي ... كالثعابين في الرمال الظوامي
فدعوني أعصرْ من الخمر في جر ... حي فينشى بالخمر جرحُ غرامي (مدور)
جاءت كلمة (غرامي) مفتاحًا أساسيًا للنص، وارتبطت تلك الكلمة بذكرى لاتخلو من الألم والحزن، ومن ثم الحرمان فتقطّعت السبل بين الشاعر ومصدر راحته وطمأنينته متمثلًا بالأنثى، وانسحبت تلك القطيعة إلى حياة الشاعر كلها لتملأها عناءً وسوداوية وتجلّت، مظاهر المازوخية بدءًا من البيت الثاني وانتهاءً بنهاية البيت الرابع، ذلك أن هناك مبالغة في توصيف ألم الذات، ويبدو أن هناك صورة قاسية لتعذيب تلك الذات (هدرةٌ في جراح نفسي، جوع ينهش الحسَّ، ذئب مهمهم الشدق في صدري، تفحُّ الأوجاع ملء ضلوعي..) .
(1) محمد، نديم، 1985، ديوان آلام، ط2، دار الحقائق للطباعة والنشر، بيروت، ص13.