فهرس الكتاب
استخدم الشاعر في لغته تراكيب ومفردات قاسية (ذئب مهمهم الشدق، ضرام، هدرة، ينهش، النيوب الدوامي، الظوامي، الخ...) فبسط هذه المفردات والتراكيب كردة فعل على فعل قاس، لذلك لم يكن استخدام تلك اللغة عشوائيًا، ولعل الجرح العميق الذي يحمله (نديم محمد) يحتاج إلى ردم، فجاء الأسلوب ليحاول ترتيب الأشياء المفقودة لديه وسدَّ الثغرات ما أمكن ذلك، ولذا جاء موحيًا بالسوداوية على صعيد الحالة ومعززًا لمظاهر المازوخية، فالاحتمالات التي يوحي بها النص عبر صوره تصبُّ في إطار السوداوية والشعور الحاد بالألم، وكمثال على ذلك يضعنا التساؤل في (أيُّ ذئب مهمهم الشدق في صدري) أمام احتمالات، إلا أن هذه الاحتمالات جميعها تصبُّ في معنى واحد وهو التآكل الحاصل لذات الشاعر.
صحيح أن (أي) أداة استفهام تفيد التكثير والاستفسار عن المجهول غير أن اقترانها بكلمة (ذئب) ، قد صبَّ جميع الاستفسارات في منحى تلك الكلمة وأبعادها (انتكاسات متكرِّرة، ضغوطات نفسية، صدمات يومية، غذابات دائمة، إلخ) ..
وأخيرًا فإن (نديم محمد) تعامل مع مفردات الخارج تعاملًا ذاتيًا كشاعر رومانتيكي، بإسقاطها على الذات بصورة عميقة (ذئب، سهم، نيوب، ثعابين) ، فصارت كأنها من مكوِّنات جسده ودمه، ولكنها مع مرور الأيام تحوَّلت إلى شيء خبيث يهدم ذاته وإحساسه، فالشاعر فاقدُ الثقة بالخلاص، وقد ارتبطت سوداويته ارتباطًا عميقًا بالضياع، فكانت الخمرة ملجأه الأخير، عساها تنسيه ولو لبعض الوقت كآبات هذا العالم وكوارثه، إنها وجهة نظر فيما يحدث حوله وقد حافظ على هذه الوجهة في معظم نصوصه الشعرية، ولعل السوداوية بمصادرها وأشكالها تعدّ وجهة نظرٍ قهرية، لا يستطيع المرء الإفلات منها، فتصبح سلطة قمعية تمنع المرء من إدراك متطلباته.