فهرس الكتاب
إن (تمجيد الألم) أحد أبرز مظاهر المازوخية، غير أن هذا التمجيد عند بعض الشعراء الرومانتيكيين ينقلب إلى سخرية مرة من واقع الذات، وتتحوَّل هذه السخرية بالنتيجة إلى شعور بأقصى أنواع العذاب النفسي، وهذا ما حدث مع الشاعر (عبد السلام عيون السود) أحد رموز المدرسة الرومانتيكية، حيث يطلُّ هذا الشاعر بمرضه المميت ليضفي على العالم جوًا من السوداوية والضياع"ولا شك أن ترسُّخ المرض في قلبه هو الذي أسبغ على شعره، هذه القشعريرة الرومانتيكية الأسيانة، فهو دائمًا يهفو إلى مرفأ الخلاص، ويرسل أغنيته في الظلام ويبحث عن طريق النهاية، وقد لعبت المأساة في شعره، كإنسان ممزَّق وضائع وقلق، دورًا كبيرًا" [1]
إن انطواء الشاعر على ذاته وتخبطه بها، لم يتح له إقامة أيِّ جسر أو علاقة وطيدة مع المحيط، ولكن المحيط غالبًا ما يكون سببًا رئيسًا في مرض الفنان، بل هو مرضه الحقيقي.
ولعل الجوهر الذي قامت عليه قصائد (عبد السلام عيون السود) هو البحث عن كينونته الضائعة التي لم يستطع أن يدركها، فهو دائمًا يطرح التساؤلات العميقة التي تتحول في أحايين كثيرة إلى طروحات وجودية مرعبة، مما أدى إلى وجود تلك الصبغة السوداوية التي تتحرك في جو مشبع بالسخرية المرة من الوضع الذي آل إليه، فنراه يقول: [2]
تباركتَ يا جرحُ، إن الدماء ... تفور فتملأ نفسي اضطرابْ
وتعصبُ لي جبهتي بالسعير ... وتنفص لي كبدي في الإهابْ
تلفت فإن وراء السياط ... سياطًا.. وخلف الحراب حرابْ
وهذي العروق أفاعٍ تفحُّ ... عطاشًا: ألا قطرةٌ من شرابْ
حيث تتجلى مظاهر المازوخية في الأبيات على النحو التالي:
1-تمجيد الألم (تباركت يا جرح)
(1) عيون السود، عبد السلام 1968، (آثار عبد السلام عيون السود) (من مقالة بعنوان(شعر الشاعر الأسطورة) ، للشاعر ممدوح اسكاف، منشورات وزارة الثقافة دمشق ص 116.
(2) المصدر السابق /قصيدة وراء السراب/ ص 77.