فهرس الكتاب
إن النص بمجمله يحيل على وصف يتجاوز (الأنا) إلى منطقة الكبت، فالسياق لا يجعلنا نشعر بفارق كبير بين (الدماء التي تفور) وبين (المكبوتات) التي تتحرك باتجاه النور، فلم تتجاوز المسألة إطار الحلم عند الشاعر (ألا قطرة من شراب) ، وكأن (الشراب) هو الرغبة أو الرغبات التي بقي الشاعر عاجزًا عن تحقيقها، ولذا كان هذا الحلم وهذا التمني المعادل الوحيد لسلطة الجرح وكان الانسحاق هو المستقبل الذي ستؤول إليه حياة الشاعر بعد ما حدث من أحداث تنم على إحساس قاتم بالخلاص.
لقد تحدَّثنا في (النموذج المغترب العدمي) عن الشاعر (عبد الباسط الصوفي) مطولًا ورأينا اختلاف أنواع الاغتراب لديه، غير أننا نلمح بين حين وآخر قصائد للشاعر تحمل صورة (السوداوي المازوخي) كأحد تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية، ونلمح في هذه القصائد إحساسًا بأن الشاعر لم يعد يتأقلم إلا مع الأحزان والآلام وهذا ما جعله يرفع من شأنها ويرسِّخها كحالة مستمرة في حياته، فيقول مخاطبًا الفجر [1] :
عدْ فلن تسمع من ثغري نشيدًا عبقريًا
أنا أهوى ظلمة الأسداف تدمي مقلتيا
وأحبُ الوتر المحروم يذوي في يديّا
لا يشكل عالم الظلمة عند الصوفي عالمًا مثاليًا على الرغم من الحب القائم بينهما، لأن هذا العالم قد تراكمت معطياته السلبية فصار يشغل حيزًا كاملًا من حياة الشاعر المشبعة بالسواد، ويبدو أن هذا الحب جاء ليفرِّغ بعض العناصر السلبية المتراكمة عن طريق النص الشعري، فكان الاتجاه إلى تعذيب وتمجيد الألم حالة تمويه على الوضع النفسي للصوفي، وليس حالة إرادية كاملة فالفعلان (أهوى، أحب) لم يأتيا لبلورة مفهوم (الجميل) على الرغم من أنهما في ذاكرتنا الجماعية يحملان حالةً إشراقية بشكل عام، بل أتيا لتعميق القبح والانسحاق ومظاهر السوداوية عند الشاعر.
(1) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط الصوفي ص29