فهرس الكتاب
ولعل تمجيد الألم في النص يتلازم مع تعطيل الإرادة أيضًا، فـ (الظلمة التي تدمي المقلتين، والوتر المحروم الذي يذوي) معضلتان ليس بوسع (الأنا) صدَّهما، وما كان للشاعر إلا أن يأتي بفعليْ (أهوى، أحبُّ) تورية لعجزه عن الصراع.
ويتبنى فكرة تعطيل الإرادة بشكل واضح في النص تركيب (لن تسمع من ثغري نشيدًا عبقريًا) ، حيث يخاطب الشاعر هنا الفجر بالمعنى النفسي كسمة من سمات الإشراق والتفاؤل.
د- الملامح النفسية لتصوير المكان والزمان:
من سمات الرومانتيكيين أنهم يقومون بإسقاط عناصر الخارج على الذات بحسب أحوالهم النفسية، بيد أن الشاعر المعذب في المدرسة الرومانتيكية عادة ما تكون عناصر الخارج مصدرًا من مصادر عذاباته.
إن أكثر ما يشغل المعذب الرومانتيكي مسألة المكان والزمان، فهو غريب عن كليهما، ويتعامل معهما حسب إحساسه المشبع بالسوداوية وفقدان الأمل، فالزمان عنده طويل أو قصير حسب مرجعيته النفسية في الذات الشاعرة، كذلك فإن المكان ضيق أو متسع، حسب تلك المرجعية أيضًا وعلى أي حال فإن الطول والقصر والضيق والاتساع عند هذا المعذب تشكِّل بمجملها حالة إرباك له، فلا الاتساع محمود، ولا الضيق محمود، ولا الطول بنافع، ولا القصر ذو جدوى، حتى الطبيعة بفطريتها وبراءتها لا تشبع ذواتهم، ومن المؤكد أن الرومانتيكيين غير المعذبين ينظرون إلى الطبيعة (بوصفها مكانًا) نظرة أكثر تفاؤلًا من الرومانتيكيين المعذبين، فالسوداوية عند المعذبين يمكن أن تتعمَّم لتصيب الأماكن جميعها بما فيها الطبيعة.
إن القِلق وجوديًا إلى حد التأزم النفسي-على سبيل المثال- لا يفرّق كثيرًا بين الأماكن، ذلك أن سوداويته تشمل حيزًا كبيرًا من المكان والزمان في أي آن.
لقد أشرنا فيما مضى إلى الصبغة السوداوية التي تنطوي عليها القصائد (عبد السلام عيون السود) ، عبر تساؤلاته المرعبة عن ماهية وجوده، وتحوَّل الزمان عنده من ساعات ودقائق إلى زمن نفسي خاص به.