فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 309

يقول عبد السلام عيون السود في قصيدة (أين) [1] :

عامان، كالدهر، مرّا ... ولم أجدْ مستقرًا

أنّى اتجهتُ فليلُ ... يدور رعبًا وذعرا

وقيل.. لوّح أفقٌ ... أستغفر التيه.. حشرًا

لنحنُ أبعد مرمى ... لنحن أعمق غورا

على جبين الليالي ... سفحتُ روحي، شعرا

فأين يا أين ألقي ... عصاي الريح أدرى

يتكئ النص على (الليل) ببعده المعنوي الذي رسخه الشاعر، فاقترن بالإحباط والتشاؤم الذي يغطي المكان والزمان، فضلًا عن أن ذلك التشاؤم قد اتسع ليصبح صفة جماعية (لنحن أبعد مرمى) ،

من البداية يطالعنا النص بوجود وطأة زمنية (عامان كالدهر مرا) ، وهي ذات مرجعية نفسية تشفُّ عن عدم الوصول إلى حل يؤمِّن الاستقرار والطمأنينة للشاعر، فإذا بثبات الألم يأخذ حيزًا زمانيًا لا يطاق وإذا نحن أمام زمن نفسي لم يتوافر له انفراج أو اختراق لينقل (عيون السود) مما هو فيه إلى رغباته.

لقد بدت الصورة أكثر رعبًا في البيت الثاني وأكثر إحساسًا بالألم وبالسوداوية (أنّى اتجهت فليل) ، وانزاح الليل عن طبيعته الحسية الواقعية ليصبح مقرونًا بالحصار الذي لا مفر منه والمتصف بالديمومة، وتحوَّل من كونه فترة زمنية معلومة إلى هيئة مكانية متشحة بالسواد، حيث اتخذت الرؤيا الموجودة في الأبيات سمة (الكابوس) الطويل الأمد، لأن المستقبل واقفٌ لا يدع مجالًا للحديث عن أفق، ولن يجدي نفعًا الحديث عن أمل قريب، لأن الأشياء المحيطة سوداء ومترسخة في العقل الباطن.

إن المرض الذي أصاب (عبد السلام عيون السود) منعه من ممارسة نشاطه العادي في البيئة الاجتماعية، ومع تراكم الزمن واستفحال القطيعة، تحولت تلك البيئة إلى مصدر من مصادر الضياع والغربة والقلق منطوية تحت شعوره الحاد بالسواد الذي يكلل كل شيء، ومن ثم تخلخل الزمن عنده وانقلب إلى صورة مفجعة، وما قوله (لم أجد مستقرًا) إلا حالةً من حالات الفجيعة التي أدّت به إلى الغربة والانطواء.

(1) عيون السود، عبد السلام- آثار عبد السلام عيون السود ص33

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت