فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 309

لقد أرتأت هذه المرحلة أن البلاغة العربية أصبحت عائقًا أمام تطور القصيدة في هذه اللحظة من الزمن، كما أن تلك الرؤية انطلقت من الواقع العربي المعاصر، الذي يشعر فيه الفرد بالإغتراب والموت والاستلاب وضروب القمع، فلا يجد حريته في عالم الخيال والصور والأحلام، وكلما كان (الخلق) ، في الصورة الشعرية حاملًا لعناصر نجاحه فإنه ينبئ من زاوية أخرى بقدرة الحلم (النص الشعري) على تفريغ أكبر طاقة نفسية سلبية ممكنة، ونعني بكلمة (سلبية) الطاقة المكبوتة في اللاشعور، ولما كان في النص الشعري هو الحلم فـ"إن الصفة الرئيسة للأحلام تكمن في تحقيق رغبات" [1] مكبوتة في لاشعور المرء عبر مدة زمنية طويلة، و"قد يحدث ألا يوفِّق عمل الحلم كامل التوفيق في خلق تحقيق لرغبة، فتنتقل رسالة من الوجدانات المؤلمة من الأفكار الكامنة إلى الحلم الظاهر. وعلى التحليل أن يبين في هذه الحال أن هذه الأفكار الكامنة كانت في الأصل أشد إيلامًا بكثير من تلك التي يصاغ منها الحلم الظاهر، وعندئذ نسلِّم بأن عمل الحلم لم يدرك هدفه، تمامًا كما أن النائم لا يطفئ عطشه عندما يرى في الحلم أنه يشرب. فمهما يحلم النائم بأنواع الشراب، فلا مناص له من أن يستيقظ ليشرب إن يكن ظمآنًا حقًا." [2]

نبدأ الحديث عن (الخلق) في الصورة الشعرية في نصوص العذاب الرومانتيكي بالوقوف عند الشاعر (عبد السلام عيون السود) إذ يقول في قصيدة له بعنوان (وراء السراب) [3] :

ألا واحةً، في ثنايا الجحيم ... تلوح؟ ألا جدولٌ في اليباب؟

كأن الفضاء ضريحٌ يضيقُ ... كأن الهواء عواء ذئابْ

كأن الحياة شعاع ضئيلٌ ... يحشرج مختنقًا بالضبابْ

تراني أموت؟ تراني أهذي ... تراني أعدو وراء السراب؟

(1) فرويد، سيغموند، نظرية الأحلام، ص 67.

(2) المرجع السابق ص 173.

(3) عيون السود، عبد السلام، آثار عبد السلام عيون السود، ص 77-78

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت