فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 309

تظهر العدمية في النص كأحد تجليات /المعذب/ الذي وقفنا عنده في حديثنا عن صور المعذب في المدرسة الرومانتيكية، حيث تعمَّقت تلك العدمية بفضل التكرار المتواصل لمجموعة من الصور الشعرية التي عملت على إسقاط العناصر الخارجية على الذات بصورة حادة، فعلى الرغم من أن الصورة في الأبيات السابقة حافظت على وجود أداة الشبه (كأن) والمشبه والمشبَّه به (كأن الفضاء ضريح يضيق) فإن التركيب العام للصورة قد اخترق فلسفة البلاغة القديمة، حيث بدا استخلاص وجه الشبه بين (مفردة) الفضاء ومفردة (ضريح) عائدًا بشكل محض على الطبيعة النفسية (لعبد السلام عيون السود) التي ترى السواد على كل شيء في المحيط الخارجي.

إن التقاء الحقلين الدلاليين (الفضاء، ضريح يضيق) لتكوين صورة شعرية يبرز التكثيف المتولِّد عن تلك الصورة، وبالضرورة يبرز الخلق والتوليد في تلازم هذين الحقلين وكذلك ينمُّ على التوتر النفسي الحاد عند الشاعر، وكل ذلك آت ضمن السياق العام للنص، وسياق الحياة الاجتماعية لـ (عيون السود) .

لما كان (الفضاء) عنصرًا خارجيًا موجودًا في الكون حولنا، فإن إسقاطه على الداخل داخليًا في النص تمثل في (ضريح يضيق) ، لهذا فقد صار الفضاء الخانق جزءًا لا ينفصل عن كيان الشاعر.

تظهر في النص صورةٌ أخرى (كأن الهواء عواء ذئاب) ، حيث جاءت هذه الصورة كسابقتها محافظة على أداة الشبه والمشبَّه والمشبَّه به، غير أنها فرضت جوًا أكثر سوداوية وميلًا إلى القطيعة مع الوسط الخارجي، وأحدثت، لدى المتلقي دهشة قائمة على بناء علاقة بين الأجزاء المتباعدة في الطبيعة ومن ثم إسقاطها على النفس ضمن سياق يوحي بأن تلك الصورة قد صعدّت الحالة النفسية التي تشتد تأزمًا، لهذا كانت الغرابة والمتعة حالتين لاحقتين للدهشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت