فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 309

لم تكن الغرابة في صورة (كأن الهواء عواء الذئاب) إلا احتياجًا ملحًا لردم الثغرة مع الواقع وحالة من حالات التنفيس القاسية عبر (الحلم) ، فالانعطاف الحاد الذي قامت به مفردة (هواء) باتجاه (عواء ذئاب) جعل من تلك المفردة تخرج عن معناها المعجمي الذي نحتفظ به في ذاكرتنا، ذلك أن الذاكرة الجماعية تعودت أن يقترن (الهواء) بأشياء محددة ومعروفة، بيد أنها لم تعود على مثل هذا اللقاء بين الحقول الدلالية، ثم إن (عواء ذئاب) ما كان أبدًا عنصرًا خارجيًا عن ذات الشاعر، بل هو مظهر من مظاهر الكبت والحرمان، ولهذا فإن (الهواء) أصبح داخلًا في البنية النفسية المتهدِّمة للشاعر.

أما المتعة في الصورة السابقة فآتية من عدة مصادر، أولها التكثيف الموجود، وثانيها: الأشياء الجديدة التي يكتشفها المتلقي -وهو صاحب المتعة حين يقوم بإسقاط هذه الصورة على الواقع المحسوس وعلى ذاته.

يحمل البيت الثالث صورة مركَّبة ترتكز على صورة متولدة من سابقتها على النحو التالي:

الحياة ... ... ... شعاع ضئيل (صورة)

شعاع ضئيل ... ... يحشرج ( صورة متولِّدة من سابقتها)

شعاع ضئيل ... ... مختنقًا (صورة متولِّدة من سابقتها)

حيث تتنازع مفردتا (يحشرج- مختنقًا) على تركيب (شعاع ضئيل) لإقامة الصورة الشعرية في البيت؛ واللافت للانتباه في هذه الصورة المركبة أن كل صورة جزئية متولِّدة فيها تشكل حالة نفسية أكثر تأزمًا من الصورة التي سبقتها وذلك على النحو التالي:

الحياة ... ... ... شعاع ضئيل (حالة نفسية متأزمة)

شعاع ضئيل ... ... يحشرج (حالة نفسية أكثر تأزمًا من سابقتها)

شعاع ضئيل ... ... ... مختنقًا (حالة نفسية شديدة التأزُّم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت