فهرس الكتاب
نعود إلى تحليل الصور في البيت الأخير، فقد خفَّفت هذه الصورة من استخدام عناصر الطبيعة والمحيط ولجأت إلى استخدام عناصر لها صلة وثيقة بالذات وبالماضي (رفيف قلبي كالطفولة) ، فالعزلة وأنواع الاغتراب التي يعيشها الصوفي فرضت عليه عودة مؤلمة إلى الذات واستخراج آلامها وذكرياتها، حيث كان الحنين إلى الطفولة ولا زال أحد المنافذ التي يميل إلهيا الشعراء عامة والرومانتيكيون منهم خاصة من أجل التخفيف من قسوة المستقبل والواقع، والحنين إلى الماضي هو سمة من السمات النفسية التي تتصف بها الشخصية الانتحارية، كما هو الحال عند شاعرنا (الصوفي) وكذلك الشاعر (خليل حاوي) في مدرسة الحداثة.
إن التفكير بالطفولة هو تفكير بالحرية وبالفطرية التي نادت بها صورة (ورفيف قلبي كالطفولة ) ، والذي رسخ هذا التفكير بالحرية هو الصورة النهائية في البيت (ورفيف قلبي مطلق) ، فمفردة (مطلق) تثير لدى المتلقي حالة لانهائية من الحرية التي تعني هنا تحقيق جميع الرغبات المكبوتة في اللاشعور، ومن ثم فإن الخلق في الصورة هو بالتأكيد وعي جمالي متطور عن سابقه، وهو يظهر خبرة الصوفي المعرفية التي أخذت أبعادًا مرعبة وجديدة في آن.
ولعل حالة (الخلق) في البيت الثاني جاءت ملازمة لحالة التداعي (الكتابة الآلية) وتعزيزًا لمسألة (الحلم) ، وأهميتها هي تفريغ شحنة نفسية تخفِّف من الأزمة النفسية، وهذا الأمر من المهمات الأساسية للفن، لأن الفن"يريح الإنسان من كل ما لا يقدر على فعله وتحقيقه على وجه ثانٍ، إما لمانع أخلاقي أو لعائق مادي بحت" [1] "
إن (الخلق) الناجح في القصيدة الفنية الذي يأخذ بعين الإعتبار الظروف الموضوعية والذاتية للشاعر، إنما هو توليد أصيل، ويقوم بتمييز (أنا) الشاعر من بقية أشكال (الأنا) الأخرى للشعراء.
ب- الإيحائية:
(1) هويغ، رينيه، 1978، الفن وتأويله ج1 تر: صلاح برمدا- وزارة الثقافة، دمشق، ص 26.