الصفحة 10 من 21

تصبح متعلقة بالعلم الإلهي، فلا غرو أنها منذ الخلق والتكوين، وهذا يجعل زمنها ماضيا ً.

وقد استعمل هذا المبنى مجموعا ً في سبع آيات، بعضها جمع مذكر، وفي آيات أخرى استعمل منه جمع التكسير، ولكل منهما دلالته بحسب السياق والمعطى الصرفي للبناء، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} سورة العنكبوت / 43. قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ سورة يوسف / 44. {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ}

سورة الشعراء / 197. {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} سورة فاطر / 28. {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ} سورة الأنبياء / 51. {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} سورة الأنبياء / 81. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ للْعَالِمِينَ} سورة الروم / 22.

في الآيات السابقة جمع لفظ (( عالم ) )على (عالمون و علماء) وقد سمي الأول في عرف النحاة والصرفيين جمع مذكر سالم، والثاني جمع تكسير، وهما ليسا سواء في الدلالة، فجمع المذكر السالم يدل على القلة، وجمع

التكسير يدل على القلة والكثرة، ومن جهة أحرى إن جمع المذكر إذا كان للصفات، أبعدها عن الاسمية وقربها

الى الفعلية، وجعل دلالتها على الحدث بخلاف جمع التكسير الذي يقرب من الاسمية، وهذا ما اختاره الدكتور فاضل السامرائي مرتكزا ً في ذلك على احتياج الجمع الى متعلق (41) .

ولكن هذا لا يصلح توجيها ًمطلقا ً لهذين الجمعين، لأن من جموع القلة ما يدخل عليه ال التعريف فيجعله للكثرة، فضلا ًعن ورود ألفاظ على جموع القلة، وليس لها جموع كثرة أصلا ً فكيف نحملها على القلة. . إن السياق هو الملاك في تحديد القلة والكثرة.

أما احتياج الوصف المجموع جمع مذكر سالمًا الى المتعلق، فلأن مفرده يسلم عند الجمع، ومن ثم فأن احتياجه الى المتعلق بعد الجمع كائن، تقول: علمت بزيد وعالم بزيد وعالمون بزيد، أما المجموع جمع تكسير، فقد يكون السر في عدم احتياج مفرده الى متعلق هو تغير مفرده عند الجمع، ولا يخفى أن تغير الصورة يعني انتقاء الشبه بالفعل، ألا ترى أن اسم الفاعل لا يعلم إذا صغر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن التعلق بشيء يعني التقيد به، ولا حاجة لذلك إذا كان الجمع يطرد في الوصف الذي على وزن فعيل أو فاعل وفيه دلالة على الغرائز والسجايا؛ لأنها تدل على الثبوت، فكريم وكرماء لا تخصص بفرد أو جهة، بل هي ثابتة في الشخص على نحو التمكن، سواء أكانت لزيد أم لغيره، أما ذكر التخصص في بعض الموارد، فربما لزيادة العناية بشأن المتعلق والاهتمام به كما في قوله تعالى: {كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} سورة النساء / 29. {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} سورة الفتح / 29.

إذا ً يمكن تفسير قول السامرائي في أغلب الموارد لا جميعها، لأن احتياج المتعلق في بعض الموارد ضروري، لأن العناية تطلبه أكثر.

استعمل الجمع في الآية الأولى في حق صنف من الناس لهم الأهلية للتعقل، وإدراك حقيقة الأمثال المضروبة (42) ، لا الإيمان بها فحسب، لأن هذا يشترك فيه الناس جميعا ً، ولا يخفى أن الأمثال من مأثورات الشعوب، ولكن تعقلها، واتخاذها ذريعة للوصول الى المستبطن وراءها يشعر بكمال هذا الصنف من الناس.

وقد جاء الجمع في الآية الثانية في سياق النفي والبراءة من نيل شرف العلم القائم على تفسير الأحلام، وحل رموزها، وهل هذا الا اعتراف بالنقص والضعف والتجرد

من فضيلة سامية لها الشرف في إزالة اللبس عن معضلات الأمور.

وشرافة العلم المتقدم تكمن في ارتباطه بمراتب وجودية غيبية، لا ينالها إلا من طهر قلبه، وصفت سريرته،

واتقى الله. قال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} سورة البقرة / 282. وفي الآيتين الثالثة والرابعة جاء الجمع بصورة مغايرة للجمع الأول، ويحتمل أن يكون مفرده مبنى عالم والمسوغ له حصوله بعد مزاولة وطول ملابسة، أي انه كالغريزة الثابتة التي لولاها، لقيل متعلم

لا عالم، ولما خرج بالغريزة الى باب فُعل صار بمعنى عليم (43) . وهو يكشف - في الآيتين - عن المنزلة والميزة التي يتمتع بها هؤلاء، فغدوا متبوئين منزلة اجتماعية مرموقة في قومهم، لكن في الآية الثالثة التي تقرن العلم بالخشية من الدلالة الشيء الكثير؛ لكون المعلوم هو الذات الإلهية بأسمائها وصفاتها (44) .

ولاشك أن الخشية تقترن مع المعلوم، عند هؤلاء، لأن الوصول الى هذا المقام ليس بميسور لكل احد، ومن ثمار هذا المقام هو ترتب الآثار على المعلوم وعدم تقهقرها، ومجيء الجمع مع الغرائز والسجايا يؤكد ذلك

أما الآيتان الخامسة والسادسة، فقد استعملت صيغة الجمع في مورد الله عز وجل، وفيها من الفخامة والقوة ما لا يخفى، فضلا ًعن لفت المخاطب الى براعة الاستعمال في العدول عن فاعل الى فاعلين، ولها قيمة فنية تزيد من جمال الفاصلة. والعلم في الأولى يشمل دقائق الأمور والأحوال، والإحاطة بكل شيء في الثانية.

وإذا ما انتقلنا الى الآية السابعة، فاننا سنجد تعلم العلم في مظاهر خلقه ونظام تدبيره، وهو مسوق للتأمل في نظامه الأرضي كما يعبر الطاهر"فخلق السموات والأرض آية عظيمة مشهودة بما فيها من تصاريف الإجرام السماوية الأرضية، وما هو محل العبرة من أحوالهما المتقاربة المتلازمة كالليل والنهار. ." (45) .

ومتعلق العلم هنا الموجودات الخارجية الحية التي تستدعي لفت النظر الى دقة ارتباطها وانتظامها وحكايتها عن مبدع قديم، ومثل هذا الارتباط يتم بدخالة الحواس والآلية الذهنية المحللة التي تحتاج الى مزاولة حينا ً بعد حين، لكي تشتد، وتكون صالحة للرسوخ.

ب - بناء مفعول

يدل هذا البناء عند أهل الصنعة على الحدث ومفعوله (46) ، وأضيف عليه الدلالة على الحدوث (47) ولا تختلف دلالته على الزمن عن اسم الفاعل، فقد يأتي دالا ً على الزمن الماضي أو الحاضر أو المستقبل من خلال السياق. وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت