الصفحة 9 من 21

2 ? الأبنية الاسمية:

إن بناء الاسم يختلف عن بناء الفعل من حيث الدلالة والزمن، فإذا كان الفعل يتقيد بالأزمنة الثلاثة لذاته نسبة الى الحدث الذي ينجز أو المراد انجازه، فإن الاسم عري من ذلك.

يقول عبد القاهر:"إن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئا ً بعد شيء، وأما الفعل فموضوعه على أن يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئا ً بعد شيء" (32) .

وأكد هذا الرازي بقوله:"الاسم له دلالة على الحقيقة دون زمانها، فإذا قلت (زيد منطلق) لم يفد إلا إسناد الانطلاق الى زيد. وأما الفعل فله دلالة على الحقيقة وزمانها فإذا قلت (انطلق زيد) أفاد ثبوت الانطلاق في زمان معين لزيد وكل ما كان زمانيا ً فهو متغير والمتغير مشعر بالتجدد فإذن الأخبار بالفعل يفيد وراء أصل الثبوت كون الثابت في التجدد والاسم لا يقتضي ذلك" (33) .

أقول: إن هذه النظرة ليس لها أساس عقلي؛ لأن الزمان هو فرع الحركة، والحركة متقومة بالتغيير التدريجي، وهي من الأعراض التي تقوم بالغير، ومن المعلوم إن بعض الأعراض لا يتسم بالثبات، بل تتحول وتزول، وإن كان زوالها بطيئا ً، ومن أصدق المفاهيم على ذلك بعض

أوزان الصفة المشبهة - وهي أسماء - مثل صيغة فعلان، التي لا تعطي معنى الثبات.

قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} سورة الأعراف / 150. {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ} سورة الأعراف / 154.

والمعنى واضح من الآيتين في طرو الغضب وزواله، وليس بعاقل من يقول بثباته بعد ان أكده القرآن. وفي استعمال بعض المصادر ما يخرق الكلية المزعومة بقولهم، فصيغة فعلان لا تقتضي الثبات، بل هي للدلالة على التقلب والاضطراب والحركة كالغليان (34) .

يقول الدكتور فاضل السامرائي في استعمال هذا المصدر:

"فأنت تقول غليت الماء غليا ً وغلى الماء غليا ً إن أردت الفعل ولم ترد التقلب والحركة. . . فان أردت الحركة والاضطراب قلت: غلى الماء غليانًا" (35) .

ومثله الصفة المشبهة التي على وزن فَعِل (36) .

وكذا ما يقع حالا ً في النحو، لأنه وصف غير ثابت في الأعم الأغلب. . .

ومما تقدم يتبين: أن الاسم قد يكون دالا ً على الثبوت، وقد يدل على خلافه؛ بحسب الاستعمال والوضع، أما الزمان، فانه يفهم من قرائن السياق، وقد يفهم من بعض الأسماء المنقولة للظرفية.

بعد أن اتضحت الدلالة المفهومة من الاسم، نأخذ أمثلة من هذه المباني:

بناء فاعل:

إن هذا البناء له أمثلة كثيرة يحتذى بها، ويصاغ على منوالها من كل فعل ثلاثي، ويسمى في الاصطلاح اسم الفاعل، وهو يدل، عند القوم، على الحدث والحدوث وفاعله (37) .

ظهر بناء عالم من تلبس مادة (ع ل م) بهذه الصيغة في آيات قرآنية:

قال تعالى: {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} سورة الأنعام / 73. {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} سورة الحشر / 22. ... {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} سورة الجن / 26. {إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سورة فاطر / 38.

إن لهذا البناء لحاظين: الأول هو الذات، والثاني هو الوصف للذات، ومن هذين اللحاظين نشأ مفهوم الاسم، وهو أن نتعرف على الذات بوصف من أوصافها. ولم يأت هذا الاسم في القرآن إلا مضافا ً، والمضاف إليه ظهر بثلاث صور:

الأولى مع الغيب في سورتي سبأ والجن، والثانية مع الغيب والشهادة في عشر آيات، والثالثة مع غيب السموات والأرض في سورة فاطر، وما ذلك إلا لاقتضاء المقام، وهو إحاطة الاسم بجميع المعلومات، سواء أكانت غائبة مستورة أم ظاهرة مشهودة. يقول الطاهر بن عاشور:"ولا تخرج الموجودات عن الاتصاف بهذين الوصفين، فكأنه قيل: العالم بأحوال جميع ... الموجودات" (38) .

وبتدقيق أكثر نقول: إن اقتران المبنى بالغيب دون الشهادة مرجعه اهتمام السورة ببيان أمر البعث أكثر من غيره، فتذكر المنكرين للساعة وتأمر النبي بالرد عليهم (39) .

وليس يوم القيامة، وما تجري فيه من أحداث مما تدركه عقولهم، أو تعلمه نفوسهم حتى يكون محلا ً لإنكاركم. . إن العلم مختص بالمالك الحقيقي الذي بيده كل شيء، وقد ناسب استعمال الاسم مضافا ً الى الغيب من جهة إنكارهم للغيب والبعث. وإضافته في سورة الجن من دواعي السياق أيضا ً، فالحديث فيها عن المستور عن نشأتهم الغائب عن عقولهم، وهو يوم القيامة، وما فيه من نار تلفح وجوه العاصين لله ورسوله، وليس لتحقق هذا العلم يوم معلوم في القاموس المعرفي سوى عالم الغيب وحده.

وتقيد الغيب بالسموات والأرض دون مطلق الغيب في سورة فاطر، فلأن السموات والأرض من الظواهر المألوفة لدى هؤلاء المشركين، وهم بتماس معها يوميا ً، ولا سبيل لهم دونها؛ إذ الأرض مهادهم، والسماء سقفهم ومع ذلك غفلوا عن أكثر ما فيها من أسرار ولطائف، وهذه الآية مقدمة لما بعدها، أي: إذا كانت الغائبات عنكم في السموات والأرض، وهي من مظاهر العظمة، يعلمها الله، فكيف بكم وما أضمرتم في نياتكم وأسررتم في أنفسكم.

إن إضافة المبنى في الآيات المتقدمة، جعله يكتسب الزمن الماضي في أعراف النحاة (40) ، وهو في مورد الله عز وجل لا يشترط ذلك؛ لأن الزمان ينشأ مع نشوء الحركة والفعل، المرتبط بعالم الخلق لا عالم الخالق، والزمان المستفاد من المبنى في السياق يحدده النشاط الذهني والتأمل العقلي الذي يقضي بان الموجودات كلها من خلق الله عز وجل، سواء أكانت ظاهرة أم باطنة، وعندما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت