يعزب عنه شيء، ولا بينونة بين العلمين؛ لأن الثاني يتعلق بفعل الله الذي هو مخلوق له، والأول هو علم الله على الإطلاق، ولا يخفى إن ارتباط العلم بالواقع الخارجي غير خارج عن العلم الإلهي المطلق، وفي هذا يقول كمال الحيدري:"كان علم الله بالأزل بنحو يريد (سبحانه) أن يرى ذلك العلم ومعلومه في الواقع العيني، عبر الانتقال من عالم العلم الإلهي الى عالم العين الخارجي. وبذلك سوف يكون هذا الواقع الخارجي هو معلوم ذلك العلم الذي هو عين الذات" (27) .
والزمن ليس هو الحاضر، بل يتوقف تحديده على تحقق الفعل في الخارج.
البناء المضعف:
قال تعالى: {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} سورة يوسف / 101. {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} سورة النساء / 113. {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لدُنَّا عِلْمًا} سورة الكهف / 65. {وَيُعَلِّمُكُم ما لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} سورة
البقرة / 151. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} سورة البقرة / 102.
المبنى في الآيات المتقدمة على اختلاف صوره مضعف، وهو لا يفيد التكثير - كما ذهب الجوهري (28) - بل استعمل للتعدية، وهو أن يجعل الفاعل مع مبنى الحدث الأصلي منفعلا ًمن فاعل آخر، وقد يكون هذا الفاعل الله أو الرسول، وفي بعضها الشياطين ويأجوج ومأجوج.
جاء البناء في الآية الأولى بصيغة الماضي الدال على الزمن الماضي، لأن الحديث فيها عن الشكر والثناء للنعم التي أنعمها عليه الله عز وجل، فيما سلف، وما يميز حدث التعليم عن غيره انه غني عن التجربة، بعيد عن الممارسة التي تحتاج الى النظر والاستدلال، لا يحتاج سوى صفاء النفس، وطهارة الروح. أي الاستعداد لتقبل التعليم الإلهي مباشرة.
وفي الآية الثانية استعمل المبنى نفسه الدال على الحدث الماضي، ليقدم معطىً إلهيا ً خاصا ً، وهبة ربانية مميزة، ليس من شأنه الاتصاف بها بالادوات المألوفة والوسائل المعرفة بالنظر والاستدلال. انه علم من سنخ آخر كما يقول الطباطبائي (29) ، يكون بنحو من الإلقاء في القلب والإلهام الخفي. .
وإذا ما انتقلنا الى الآية الثالثة فسنجد أن الحدث الذي أظهره المبنى المضعف بصيغة الماضي يدل على أن الفاعل حقيقته منفعلا ً لفاعل أكمل وأشد، فإذا كان الفاعل الابتدائي لحدث الفعل غير المضعف قد اكتسب بالأسباب، فأنه بالتضعيف قد اكتسب بمسبب الأسباب، فأضحى التغاير بين الاثنين واضحا ً، وفي هذا يقول السيد الطباطبائي:"وأما قوله {وعلمناه من لدنا علما ً} ... فهو كالرحمة التي من عنده علم لا صنع للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب والدليل على ذلك قوله (( من لدنا ) )فهو علم وهبي غير اكتساب يختص به أولياءه" (30) .
والآية الرابعة استعملت الحدث المتجدد حينا ً بعد حين (( يعلمكم ) )ليدل على أن علمهم الذي توافرت عليه عقولهم وأيقنت به قلوبهم لم يكن شيئا ً، لولا تدخل الفاعل المربي (الرسول الأكرم( I) ) في تعديل مسارب وجهتهم وآفاق رؤيتهم، فأصبحوا بعلمه متعلمين لأجلّ الحقائق، وأنفع المعارف التي فيها سعادتهم الحقة عما تقتضيها طبيعتهم التي جبلوا عليها من حب الكمال الموصل الى المطلوب وهو الظفر بالحياة السرمدية بجنب الله عز وجل.
وقد جاء متعلق العلم، هنا، القرآن بعدّه كتاب شريعة واصل الفضائل المنيعة من الوقوع في الخطأ؛ فضلا ً عما هو أعم من ذلك مما لم تكونوا تعلمونه (31) وبالجملة هي العلوم النافعة التي تعطي آثارها من الظفر بعيش رغيد وحياة هنيئة لا صخب فيها ولا وصب، ... والفوز بلقاء الله عز وجل. والتعليم هنا أي الحدث يستمر ويتجدد ما دام الفاعل موجودا ً وهو شخص الرسول، ولا يخفى أن هذا النحو من العلم يختلف عما سبق، لاختلاف أطرافه وتفاوت المستويات.
وفي الآية الأخيرة جاء المبنى على صورة المضعف المزيد بالتاء، ليدل على بذل الجهد والطاقة في تحصيل الفعل على نحو التجدد، مرة بعد مرة لنيله وإتقانه، ونيل أصل الفعل بعد مزاولة واجتهاد يحتاج الى سعي وزمان، ومن ثم فهو يختلف عن مبنى الحدث في الآيتين المتقدمتين، لأنه هناك يؤتى من لدن الله، وهنا يقصد منهله ويتبع مصدره، ولا يخفى ان النتائج المترتبة على الاثنين تختلف كليا ً، إذ إن الأخير يحتمل فيه الخطأ
والاشتباه والضرر والفساد بخلاف الأول الذي يكون نورانيا ً رحمانيا ً لا يتخلف عن معلومة ولا يختلف ولا يلحقه الخطأ ولا يطرأ عليه ... الاشتباه. .
جـ - بناء أفعل
قال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} سورة البقرة / 194. {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} سورة البقرة / 231. {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} سورة الحديد / 20.
إن هذا البناء يستعمل ويراد به طلب حصول الفعل من المخاطب، وهو يختلف عن الأبنية المتقدمة في الزمن والأسلوب، والدلالة، فزمنه متوقف على الانجاز، وأسلوبه للطلب لا للإخبار، ودلالته للوجوب أو مطلق الامتثال. والمتأمل من الآيات يجد أن لهذا البناء مزية فريدة، لأنه طلب للعلم والتبصر في ميادين شتى، ففي الآية يطلب من المخاطب العلم بكون الله مع المتقين، والطلب ليس لمجرد التوجيه، بل هو وسيلة للتقوى، لذا لا يترتب على امتثالهم قيمة إذا لم يكن العلم جالبا ً للتقوى.
وفي الآية الثانية يطلب من المخاطب أن يعلم علما ً واقعيا ً يترتب عليه الأثر، (إن الله محيط بكل شيء) والعلم بهذا المعلوم يحتاج الحضور في ساحة الله وحضرته، حتى يتيقن أن الله مطلع على بواطن الأمور ولطائفها.
وفي الآية الثالثة يدعو المخاطب دعوة فعلية لأن يعلم الحقيقة من الوهم والخيال، فليس الحياة في هذه النشأة إلا دانية محفوفة بالشهوات والمكدرات التي تحبس النفس بعقال اللهو واللعب. وإذا ما علم المخاطب بحقيقة الحياة الدنيا، امتثل أمر الله عز وجل بالعلم، وأصبح من المنتفعين بعلمهم، لأن من علم عمل ومن عمل وصل. .