الصفحة 7 من 21

قال تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة / 30. {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم من بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} سورة النحل / 78. {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} سورة الأنعام / 59. {أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ} سورة يونس / 18. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ. . .} سورة محمد / 31. {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ} سورة البقرة / 143.

في الآيات المتقدمة البناء الفعلي الثاني الذي يحمل معنى الحدث والزمن الحاضر ما لم تصرفه القرائن الخارجية والداخلية، وهو يختلف دلاليا ً بحسب طبيعة السياق والأسلوب الذي يتشكل معه.

ففي المجموعة الأولى انضم الحدث مع أسلوب النفي، ليدل على أن هذا الحدث المرتبط غير ثابت للذات، والمنفي بطبيعته - يتفاوت بحسب استعمال الأداة، ومن ثم يتغير معطى الحدث تبعا ً للأداة على النحو الآتي:

يخاطب الله ملائكته - بعد أن قدموا مقترحا ً بشأن الخلافة، يتضمن المقارنة بين من يصدر منه الفساد، وسفك الدماء، وبين من يصدر منه التسبيح والتقديس - وينفي عنهم العلم (حدث المبنى) الباعث على المقترح والداعي الى المفاضلة. . . وقد ظهر النفي بالأداة (( لا ) )التي تصلح للمستقبل (13) ومطلق الزمن (14) ، سواء أكان للماضي أم للحاضر أم للمستقبل، فقيدت الحدث تبعا ً لمقتضى السياق بالزمن العرفي الذي يظهر بالماضي والحاضر والمستقبل. ويتلبس بالبناء اللفظي، وهذا يعني إن التعامل مع المجرد لا يكون إلا بالتمثيل اللفظي والتقريب الذهني، لبعد الرتبة المجردة من المتعلقين بالمادة المتحركين في ظرفها، فلا غرو، إذا ً، من تمثيل المحاورة تمثيلا ً، فجعل العلم المنفي من الملائكة يتجدد ويستمر، لأن التفاوت قائم، بل ليس له

وجه، وأنى للملائكة أن تعلم شيئا ً باستقلال نفسها وإعمال أدواتها. . إن علمها فيض من حكيم، ورشحة من عليم.

وفي الآية الثانية استعمل البناء (( تفعلون ) )المنفي بالأداة (( لا ) )ليدل على ان حدث هذا البناء منصرف عنهم كليا ً، وليس لهم سبيل إلا بالجعل الإلهي للأدوات المعدة، والوسائل المهيأة التي يتدرج معها الحدث شيئا ً فشيئا ً. والحدث المنفي هنا هو الاكتسابي لا الإلهامي أو اللدني.

وفي الآية الثالثة اقترن الحدث بالأسلوب المركب من الأداتين (لا و الا) ليفيد معنى التأكيد وانحصار العلم به عز وجل.

وفي الآية الرابعة اقترن الحدث المنسوب الى الله عز وجل بأداة النفي (لا) ، ليصرف الحدث نفسه عن الله عز وجل على نحو الإطلاق الذي يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، وقد جاء هذا النفي من كلام الله عز وجل في سياق ادعاء المشركين شفاعة الآلهة - التي يعبدونها - عند الله.

والمتبادر الى الذهن من ظهور الآية أن هناك موارد لا يتعلق بها علم الله عز وجل، ومنها ما أكدته هذه الآية، لكن نفي الحدث هنا يدور مدار الوجود، فلو كان موجودا ً لعلمه الله، ولكنه ادعاء محض وافتراء، فما لا يعلمه الله لا تحقق له ولم يتعلق به علم (15) .

وقد خرجه بعض الاعلام على نحو الكناية عندما قال:"نفي العلم بوجود الشفعاء كناية عن نفي وجودها" (16) ، وذكر أيضا ً:"إن الشفاعة إنما تتحقق إذا كان المشفوع عنده عالما ً بوجود الشافع وشفاعته فإذا فرض انه لا يعلم بالشفعاء فكيف تتحقق الشفاعة عنده وهو لا يعلم" (17) .

وإذا ما انتقلنا الى الآيتين الأخيرتين، فإننا نجد المبنى المستعمل فيها يدل بصورته على الزمن الحاضر، ولكن نصب الفعل مع لام الجر التي تضمر معها (( أن ) )صرفه للمستقبل، والحدث الذي يعطيه المبنى يكشف عن تعلق العلم بالمتغير، وتوقف العلم على تحقق المعلوم في الواقع الخارجي، وهو غير العلم الذاتي الذي يتعلق بكل شيء. ولما كان الفعل متغيرا ً، وقد تعلق به، أصبح العلم - هنا - فعليا ً، لأنه متوقف على تحقق الأفعال الخارجية.

وقد علق السيد المرتضى العلم على الوجود؛ لأن قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا ً، وإنما يعلم كذلك بعد حصوله (18) ، وعده أبو السعود علما ً فعليًا

يتعلق به الجزاء (19) .

وقد أصر الطباطبائي على أن المراد بالعلم هنا العلم الفعلي"وهو ظهور الشيء وحضوره بوجوده الخاص عند الله" (20) .

ومن المفسرين من حملها على المجاز (21) أو الظهور (22)

وفي الآية الأخرى يقول الزجاج:"إن الله يعلم من يتبع الرسل ممن لا يتبعه من قبل وقوعه وذلك العلم لا تجب به مجازاة في ثواب ولا عقاب، ولكن المعنى ليعلم ذلك"

منهم شهادة فيقع عليهم بذلك العلم اسم مطيعين واسم عاصين فيجب ثوابهم على قدر عملهم ويكون معلوم ما في حال وقوع الفعل منهم علم شهادة كما قال عز وجل: (عالم الغيب والشهادة) فعلمه به قبل وقوعه علم غيب، وعلمه به في حال وقوعه شهادة، وكل ما علمه

الله شهادة فقد كان معلوما ً عنده غيبا ً لأنه يعلمه قبل كونه (23) .

وهذا الكلام يكشف عن نحوين من العلم، الأول يحيط بكل شيء، وهو المسمى بالذاتي، والثاني لا يحيط بكل شيء، بل يتعلق بوقوع الأشياء مما يترتب عليه ثواب أو عقاب. ولم يختلف توجيه الآية عند الطباطبائي عن الآية السابقة، فقد عده علما ً فعليا ً (24) في حين ذكر المفسرون (25) أوجها ً عدة خشية أن ينصرف الذهن الى حدوث العلم، ولم يذكروا العلم الفعلي حتى الطاهر بن عاشور (26) على الرغم من جعله متعلقا ًبوقوع الشيء، أي تعلق العلم بوقوع الشيء الخارجي، لم يعده علما ً فعليا ً في مقابل العلم الذاتي، وهو شاهد على أن هذا النحو من العلم يختلف عن كثير مما في الأديان التي تنسب العلم الى الله عز وجل، لأنه يتعلق بوقوع الأشياء. والذي يبدو لي أن ظهور جملة من الآيات صريحة في نسبة العلم الى الله عز وجل بصورة بناء فعلي يتوقف زمن تحققه على وقوع الشيء الخارجي، يجعله قسما ً آخر من العلم، والاختلاف بينهما كائن في مقام الذات والفعل، فالذي يتعلق بالفعل بعد وقوعه هو دون العلم الذاتي الذي لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت