الزمن الماضي أثر السلوك المنحرف غير القويم الذي اتخذه هؤلاء القوم.
والآية الثانية تنبئ عن نشاط فرعون في استخفاف عقول قومه منذ القدم، فليس هذا الحدث وليد لحظة الحال، بل هو بذرة غرست في زمن غابر، تعارف عليها آباؤه وأجداده، لذلك أرجع هذا الحدث (المعتقد) الى أصول قديمة، وكأنه حدث مسلم به، تتزعزع معتقدات من أنكره أو رفضه.
وإذا ما انتقلنا الى الآية الثالثة، فسنجد أن الآية تتحدث عن قول المشركين في جعل النسب بين الله وبين الجنة، وهي أحداث غابرة وقعت في زمن ماض ٍ، والجنة متيقنة من حضور المشركين (أصحاب هذا القول) النار (6) .
والتعبير بالفعل الماضي مع تيقنهم يكشف عن جمال الاختيار ودقة التعبير، لأنه يصبح عندئذ بمنزلة الكائن لا محالة، ولا يخفى أن هذا لا يكون إلا إذا كان المعلوم مشهودا ً، وإذا ما تلبس هذا المشهود ثوب الحدث الدال على الزمن الماضي، زاد التيقن والتأكيد والمبالغة في بطلان قول هؤلاء المشركين.
ولا تختلف الآية الرابعة كثيرا ًعن الآية السابقة؛ لأن موضوعها هو يوم القيامة، وما يحدث فيه من أهوال ومصاعب ومحن، ولما كان الارتباط بين الحياتين وثيقا ً جدا ً، وأن الأعمال التي تنجز في الأولى سيكون لها رصيد من الوثاقة في الآخرة، استدعى الحديث آنذاك أن يستحضر كل الأعمال التي كانت غائبة في ذاكرة الحياة الأولى، في الحياة الثانية؛ من اجل أن تقف كل نفس على ما عملت من خير أو شر.
وبذلك يقرب القرآن المطلب ويقرره في ذهن السامع أكثر عندما عبر عن الحدث في تلك النشأة بالزمن الماضي، لأنه سينتقل بالمتلقي الى الزمن المنصرم للحدث، وهذا يعني أن الحدث وقع وتحقق لكي يتم توجيه الذهن اليه، وفي هذه الآية يقول الطاهر بن عاشور:"ومعنى (علمت نفس ما أحضرت) حصول اليقين بما لم يكن لها به علم من حقائق الأعمال التي كان عملها بها أشتاتا ً، بعضه معلوم على غير وجه، وبعضه معلوم صورته"
مجهول عواقبه، وبعضه مغفول عنه. فنزل العلم الذي كان حاصلا ً للناس في الحياة الدنيا منزلة عدم العلم. وأثبت العلم لهم في ذلك اليوم علم أعمالهم من خير أو شر فيعلم ما لم يكن له به علم عما يحقره من أعماله ويتذكر ما كان قد علمه من قبل، وتذكر المنسي والمغفول عنه نوع من العلم" (7) ."
ولا يخفى أن تقرير العلم بهذا النحو يدل على شرافته، وعلو تلك النشأة، وخصوصا ً عندما أسند العلم الى النفس، لأن النفوس كلها - هناك - تصبح مدركة عالمة، لا يخفى عليها شيء مما كان في الحياة الدنيا، فكل موانع العلم، وحجب المادة، والتحولات والتغيرات تتلاشى وتندثر، وتتجلى الحقيقة واضحة بيّنة.
ولو توسعت الخطى، ودقق النظر، لوجدنا أنفسنا أمام مفارقة كبيرة في الأحداث التي تعطيها الأبنية، وخصوصا ً الآيتين الأخيرتين؛ لأن تعاملنا مع عالم الألفاظ شيء، وما عليه الهوية الغيبية شيء آخر، لا ينسجم كليا ً مع ما تصوره لنا مجموعة حروف منتظمة تنشأ بدافع الحاجة.
وليس من المستبعد أن يطلق العنان للخيال في تصور مفهوم العلم، واتصاف الهوية الغيبية به من منظور مادي - تغيب الأشياء وتُجهل، ثم يدرك بعد تتبع وممارسة - فيقال: أ لله علم كعلمنا أم أن له علما ً يغاير علمنا؟
وهل يصح نسبة هذا الحدث إليه؟
أي انه يعلم فيما مضى، أو انه لم يعلم ثم علم.
وهل يصح الزمان الماضي والحال والمستقبل بالنسبة إليه؟ وإذا كان الزمان من خلقه، فلماذا يتلبس البناء هذه الصورة.
إن الآية التي تقيد الحدث في الزمن الماضي في موضوع الصوم، ينظر إليه من جهة العلم الإلهي المطلق الذي لا يعزب عنه شيء، ولما كان الخطاب موجها ً الى هذه الشريحة التي حصل لها تلكؤ في أداء الواجبات، أيقظ غفوتهم بالإشارة الى أن ما طمحت به أنفسهم وتغيرت به حالهم كائن في علم أزلي محفوظ، فمكان ظهور الحدث من هذه الجهة مرتبط بالماضي.
أما بناء هذا الحدث في سورة الأنفال فلا يختلف، من حيث الاستعمال عما سبق، ولكن لما كان اقتران الظرف الدال على الحال مع الحدث الماضي للبناء الفعلي في مجال تشريحي (8) أو تربوي قريب من التشريح (9) ، أخذ بعدا ً عقائديا، وبمعنى، أيكون علم الله حادثا ً بعد ظهور ضعف المؤمنين أم إن علم الله أزلي بضعف هؤلاء.
إن تحريض المؤمنين على القتال، والضعف الذي أشرب في قلوبهم بعد المزاولة والتحقق هو في عين العلم الإلهي الذي لا يغيب عنه شيء.
ولما كان الملاك هو معرفة ما تظهر عليه النفس الإنسانية من نوازع وميول ومؤثرات في عالم الفعل بعد
المزاولة، اقتضى أن يكون العلم في هذه الآية منظورا ً إليه من لحاظ الفعل لا من لحاظ الذات، ولا يخفى ان الإنسان وما يؤديه في هذا الكون الفسيح من ظواهر، هو فعل الله المتقن الذي لا تفاوت فيه، وليس من المستبعد أن يكون لهذا الفعل، وهو يتغير على الدوام،
علمه الخاص به؛ لمصالح تقتضي ذلك، وفي الآية المتقدمة تغيرت حالة المؤمنين، وظهرت فيهم النوازع، وتحكمت فيها المؤثرات، فتبين علم لهذا الفعل، لم يكن ظاهرا ً في عالم الفعل الإلهي بعد، أي: تفصيلا ً، وفي هذا يقول كمال الحيدري:"ان مثل هذا العلم لا يمكن أن يكون ذاتيا ً لأنه حادث، والعلم الذاتي عين الذات قديم"
بقدمها" (10) ولم يرتض ِ ابن عاشور ذلك، فعد العلم هنا، علما ً ذاتيا ً، والجملة حالية، لكي لا يلزمه العطف حدوث العلم الإلهي (11) ، وقد ذكر الرازي مسلك المتكلمين في توجيه الآية القرآنية، وهو"انه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلا ً واقعا ً، بل يعلم منه انه سيحدث، أما عند حدوثه ووقوعه فانه يعلمه حادثا ً واقعا ً" (12) ."
أما ذيل كلام المتكلمين فيكشف عن العلم الفعلي؛ لأن هذا النوع من العلم لا يكون إلا بعد تحقق المعلوم خارجا ً، وهو عين ما ذكر في العلم الفعلي لله عز وجل.
ب. يفعل ودلالته
بعد أن ذكرنا الفعل الماضي، أي بناء فعل، نأخذ البناء الآخر للفعل المسمى بالمضارع ونبين ما يعطيه من دلالات ومعان.