تلبست مادة (ع ل م) بهذا البناء، فأنتج لنا (معلوم) لتدل على أن الشيء غير خفي، ومن أمثلته القرآنية:
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ معْلُومٍ} سورة الحجر/ 21. {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ معْلُومٍ} سورة الشعراء / 38. {إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ معْلُومٍ} الواقعة / 49 -
50. {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ معْلُومٌ} سورة الصافات / 164.
استعملت هذه الآيات المبنى (( معلوم ) )وهو اسم مفعول مأخوذ من الثلاثي، ليدل على أن الشيء المذكور غير خفي على العالم باختلاف مراتبه.
ففي الآية الأولى يكون المعلوم حاضرا ًعنده غير مجهول، وهو التقدير بالنسبة الى كل الأشياء النازلة من خزائنه عز وجل (48) .
والمعلوم في آية الشعراء هو اليوم الذي أتخذ لمعارضة السحرة في قصة موسى (ع) . والمعلوم في الآية الثالثة
هو يوم القيامة الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون، وتحققه كائن في المستقبل لا محالة، فلا سبيل لأحد ٍأن يعرفه إلا الله عز وجل.
والمعلوم الرابع هو المقام المشخص المعروف الذي لا يتعداه، سواء أكان للملائكة (49) أم للناس (50) . وقد ورد هذا البناء في القرآن مجموعا ً جمع مؤنث سالم.
قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ} سورة البقرة / 197. {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ معْلُومَاتٍ} سورة الحج / 27.
والمسوغ للجمع في الآيتين مجيء المبنى وصفا ً لما لا يعقل، وهما الأشهر والأيام فأشهر الحج كانت معلومة عند العرب (51) ، والأيام المعلومات لذكر الله عز وجل هي في الحج (52) .
جـ - بناء مُفّعل
قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مجْنُونٌ} سورة الدخان / 14.
أخذ هذا البناء في عرف النحويين والصرفيين من الثلاثي المضعف (فعّل) وبني للمفعول، ليدل على أن الذات وقع عليها التعليم، ومبدأ التعليم واقع في سياق ادعاء المشركين أن الرسول معلّم بالشأن الذي جاء به، لا انه جاء به من السماء، ولم يرد هذا البناء إلا في الآية المتقدمة.
د - بناء أفعل
يؤدي هذا البناء وظائف متعددة، منها الوصف في الألوان والعيوب الظاهرة والحلى من خلقه أو ما هو بمنزلتها (53) ، والتفضيل، وهو الوصف الموازن للفعل تحقيقا ً أو تقديرا ً الدال على زيادة صاحبه في أصل الفعل (54) .
وقد تلبس بهذا البناء مادة (ع ل م) ، فدل على المفاضلة في أصل العلم، أي: إن شيئين اشتركا في الصفة نفسها، فزاد احدهما على الآخر، مهما كان الطرفان، سواء أكانا متفاوتين كالواجب والممكن أم متفقين بالنوع. ومن أمثلة هذا البناء:
قال تعالى: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} سورة البقرة / 140
{وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} سورة آل عمران / 36. ... {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} سورة الأنعام / 124. ... {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} الأنعام / 117. {قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا} سورة العنكبوت / 32.
استعمل هذا البناء، وأريد به التفضيل لا الصفة المشبهة التي تعطي معنى المشقوق الشفة العليا، وإن كان غير واحد ذهب الى أن البناء - هنا - قد يعطي معنى من قام بالفعل (عالم) (55) .
لظهور الباء معه دون من، ومن المقرر في هذا البحث أن اسم التفضيل إذا أفرد، ولم يضف لزمته من (56) ، وإن كانت مقدرة، ولما كان الظاهر مع اسم التفضيل هو الباء دون من، قيل انه بمعنى اسم الفاعل، وخصوصا ً إذا لم يكن ثمة مفاضلة.
ولكن ظهور الباء مع الاسم لا يعني صرفه عن التفضيل، لأن المفضول عليه قد يحذف ويدل عليه السياق، ولا ضير في كون العلم ومعلومه يصدق على الله عز وجل وعلى الإنسان، ولا يرد عليه أن علم الإنسان ما كان يتحقق لولا العلم الإلهي المتجلي به عليه، لأن هذا نظر الموحد العارف الذي يرى الوجود بحقيقته، ولا يرى ثمة استقلال لشيء، أما من دنت مرتبته، وقصرت به همته، وتحلى بحجاب انيته، فهناك سبيل للمفاضلة؛ لكي يثبت بالحجة والبرهان للمعاند والمنكر العلم لله على نحو أعلى وأشرف وأتم من غيره. والآيات التي تخاطب المنكرين والمكذبين وأشباههم ظاهرة في ذلك، وقد تبرز خصوصية المعلوم في بعض المواطن، والاهتمام به، فتستدعي المفاضلة من جهة، وان كانت بين النبي إبراهيم والملائكة (ع) . أما عدم ذكر المفضول عليه في جل الآيات القرآنية، فربما لهوان علم المفضول عليه، أو لعمومه.
في الآية الأولى ذكر المفضول عليه لكن ليس مع حرف الجر من، بل ظهر الفاضل والمفضول عليه طرفين لـ أم الواقعة بعد همزة التعيين، التي يراد بها - هنا - التوبيخ والإنكار (57) .
وقد دلت المفاضلة ضمنا ً بين علم الله عز وجل، وعلم المخاطبين في الآية في المعلوم (ما كان عليه إبراهيم من ديانة) ، وشتان بين الاثنين، فالله أعلم بإبراهيم من هؤلاء.
واستعمال هذا النحو من الأسلوب في المفاضلة تقنية أسلوبية لحمل المخاطب على الإذعان والإيقان، لأن أم مع الهمزة تفرض على المتلقي اعتماد احد الطرفين.
أما الآية الثانية، فقد استعمل الوصف للتفضيل، والمفضل عليه محذوف مع حرف الجر من، وهو يعود على أمّ مريم، أي إن الله أعلم منها بنفاسة ما وضعت (58) . وقيل هم المخاطبون في الآيات القرآنية (59) ولكن سياق الآيات يشهد أن المفضل عليه هو أم مريم، لأنها كانت تتصور أن المولود ذكر، وقوله تعالى:"ليس الذكر كالأنثى"يؤكد ذلك.
والوصف في الآية الثالثة استعمل للتفضيل بين العلم الإلهي، وعلم المدعين:"حتى نؤتى مثل ما أوتي رسول الله"ومتعلق العلم هو شخص الرسول (60) ، وليس
لعلم هؤلاء المدعين أي اعتبار في تشخيص مواضع الرسالة. واستعمال التفضيل - هنا - يشعر بان علم