الصفحة 12 من 21

المدعين له قيمة واعتبار - كما يثبته القرآن - وهو مع ذلك لا يفضل على علم الله عز وجل.

ولكن تحرير هذا النحو من المطالب يحتاج الى وعي المخاطب بالظروف والملابسات التي تحيط بالحدث التاريخي ابان نزول القرآن، وخصوصا ً أن القرآن يسعى لإعجاز الخصم وتبكيت المعاند، وتقرير مثل هذا الأسلوب هو لأجل تسليم المخاطب بان له نحوا ًمن العلم، ولكن لا يستطيع أن يمتد ليشمل دقائق الأمور وبواطنها، وموضوع اختيار الرسول تحدده جملة من الأمور، وأهمها هو العلم التام غير المتناهي الذي يحيط بكل شيء

، ومنها استعداد الرسول وقدرته على تحمل أعباء الرسالة، وليس بوسعكم، وما تحملون من علم أن تصلوا الى هذه المعرفة، وذلك العلم الذي يراعي الحكمة ومصالح الأمور.

وفي الآية الرابعة استعمل البناء وهو اسم تفضيل للدلالة على أن الله لا يعزب عن علمه احد من الضالين، ولا احد من المهتدين، وأن غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض المضلين، ويفوته علم كثير من الفريقين (61) .

وهناك من لم يحمل البناء على التفضيل (62) ، واحتمل آخر هذا المعنى إذا لم يتم بمن الجارة، وأريد به أن حقيقة العلم بالضالين والمهتدين هو لله عز وجل، ولا يشاركه به احد حتى يفضل عليه (63) . ومثل هذا قالوا في سورة القصص"رب أعلم من جاء بالهدى. . ." (64) .

أما الآية الخامسة، فقد احتمل ابن عاشور في المبنى أن يكون للوصفية المجرد من التفضيل، من أجل أن يدفع الإشكال الذي يرد حول أعلمية الملائكة من أنبياء أولي العزم، فارتضى أن يكون المعنى: نحن عالمون بمن فيها.

واحتمل أن يكون للتفضيل بين علم الملائكة وعلم النبي إبراهيم (ع) وعلل التفضيل بأسبقية علمهم على علمه، وانه وحي من الله (65) .

وللعلامة الطباطبائي توجيه جميل مفاده: أن جواب الملائكة محمول على ظاهر كلام النبي إبراهيم (ع) عندما خاطبهم"إن فيها لوطا ً"، لأنه كان عالما ً بان الله عز وجل لا يعذب النبي (ع) ولكنه أراد بسؤاله أن يدفع الله العذاب عن أهل القرية تشريفا ً له (66) .

ويمكن أن يحمل التفضيل على أن لكل علم متعلقه، وإن الله عز وجل يفيض على الموجودات ما يناسب شأنهم ومقامهم ووظيفتهم، ومن هذه الجهة قد يكون للملائكة أفضلية بإحدى هذه اللحاظات.

هـ - بناء فعيل

إن لهذا البناء معاني وظيفية متعددة على النحو الآتي:

اسم ذات: سبيل وحرير

اسم معنى: شهيق

صفة مشبهة: عزيز

صيغة مبالغة: عليم

اسم فاعل: نذير

اسم مفعول: قتيل

اسم جمع: قبيلة

جمع تكسير: حمير

اسم جنس: شعيرة (67) .

وقد لوحظ هذا المبنى مع المادة اللغوية، فأعطى عليم، ليدل على مبالغة اسم الفاعل، وهو منقول - على رأي د. فاضل السامرائي - عن فعيل الصفة المشبهة، ويدل على معاناة الأمر وتكراره حتى أصبح كأنه خلقة في صاحبه وطبيعة فيه، فهو لكثرة نظره - مثلا ً - في العلم وتبحره فيه أصبح له سجية ثابتة كالطبيعة فيه (68) . لكن

تبقى الدلالة اسيرة الفهم المادي، لان تطبيقه ف مورد المجردات يخلق اشكالية كبيرة.

واستعمل البناء على نحوين: مفرد، ومقترن مع غيره من الأسماء الإلهية. قال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} سورة البقرة / 215. {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} سورة البقرة / 95. {قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} سورة الأعراف / 109. {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} سورة يوسف / 55. {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} سورة الحجر / 53.

يقول الآلوسي في الآية الأولى:"وفي (عليم) من المبالغة ما ليس في عالم وليس ذلك راجعا ً الى نفس الصفة لأن علمه تعالى واحد لا تكثر فيه لكن لما تعلق بالكلي والجزئي والموجود والمعدوم والمتناهي وغير المتناهي وصف نفسه سبحانه بما دل على المبالغة - والشيء - هنا عام باقٍ على عمومه لا تخصيص فيه" (69) .

ومجيء العلم مع مظاهر خلقه وإبداعه يدل على ارتباط العلم بالنظام المحكم الذي يجمع موجودات عالم الإمكان، فهي في نسقها ورتابتها غير خارجة عن علمه عز وجل، ولما كانت الأشياء في الخارج غير محدودة - وهي متعلقة بالعلم - أطلق العلم من التقييد، وأصبح دالا ً على العموم والسعة، وفي هذا من المبالغة ما لا يخفى، فضلا ًعن مبالغة المبنى.

ولا تخرج الآية الثانية في مبالغة العلم عن السابقة، إلا أن ظهور المعلوم بصورة مفهوم خارجي قيد العلم بالمعلوم خلافا ً للأولى، وقد استعمل المبالغة مع المعلوم - مع أن اتصاف الله بالصفات يجري على سمت واحد - لحاجة السياق، فهي - أي الآية - تخاطب اليهود وتكشف زيف ادعائهم: أن الجنة لهم خالصة، وأنهم أحباء الله، لأن أيديهم قد لطخت بالمعاصي وفسدت معتقداتهم، فأضحوا ضالين تائهين، فجاءت الآية تهددهم بان الله - لسعة علمه وإحاطته - لا تخفى عليه ما انطوت عليه ضمائركم، وخُبث سرائركم، وسوء فعائلكم.

وقد قوبل بين أعمالهم الكثيرة غير الصالحة، واستعمال المبنى للمبالغة.

وفي الآية الثالثة استعمل البناء للمبالغة في علم السحر، أي إن علمه بالسحر مبالغ فيه (70) ، والكلام للملأ من

قوم فرعون لما رأوا معجزات موسى ( d) . والمبالغة منهم تتناسب مع ما لحقهم من هول وتعجب، وقد دفعهم إنكارهم وخفة عقولهم الى عد هذا العمل من علم السحر المبالغ فيه، لذلك هم أذعنوا، انه شيء عجيب، وفائق للعادة، فوصفوه بالعليم، وإن علّق هذا الوصف بالسحر لا بالنبوة والرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت