الصفحة 13 من 21

وفي الآية الرابعة جاء هذا البناء، ليؤكد أن مدعيه أجدر بنيل هذا المقام دون غيره، وقد جعله رديفا ً لوصف آخر

، وهو حفيظ، ليكونا لازمين لمن يتصدى مقاما ً هو سائله (71) .

إن الوصف المتقدم ادعاه نبي الله يوسف (ع) عندما استخلصه الملك لنفسه، لكي يجعله ... وليا ًعلى خزائن الأرض، ومن هنا يتبين أن للعلم الكثير دورا ً في السياسة والتدبير.

وقد استعمل البناء استعمالا ً مجازيا ً في الآية الأخيرة، عندما تعلق الوصف بالغلام، وهو بعد لم يكن أهلا ً لأن يتلبس بهذا الوصف، والمراد ما سيكون بعد أن يكبر ويصبح أهلا ً لمستودع علم الله، ومبلغ شرائعه. وقد فسر القرطبي العلم بالحلم، استجابة لآية أخرى وصفته بالحليم (72) ، وهو بعيد، لا من حيث اللغة، ولا من حيث الظهور القرآني. وقد قال تعالى في الآية الثامنة والعشرين من سورة الذاريات"وبشروه بغلام عليم"أي عندما يكبر، يصبح له العلم الكثير الذي ينفع به البشرية، عندما يبلغهم الأحكام الإلهية والقيم الأخلاقية.

ذكر البقاعي أن الوصف بالعلم فيه مزيد مزية، لأنه كان خائفا ً كخفاء أمر الملائكة عليه (73) .

والمقصود بالغلام في آيتي الحجر والذاريات هو اسحق، أما المذكور في سورة الصافات"فبشرناه بغلام حليم"هو إسماعيل (74) ، والسياق في الآيات يشهد بذلك من قبيل ذكر امرأته العقيم وغيرها، وربما التبس ذلك على المفسر الكبير، فأوقع احد الوصفين على الآخر ظانا ً انه الغلام نفسه، وهو في غير محله.

واستعمال الحلم لإسماعيل، مع أن كليهما عليم، لمناسبة السياق، وهو استعداده لقبول الأمر الإلهي المتمثل بالذبح، وعدم جزعه، وهو لا يكون إلا إذا كان الحلم مترتبًا على العلم (75) .

و - بناء فعّال

يأتي هذا البناء للمبالغة والصناعة، نقول: علام لكثير العلم، ونجار لصاحب النجارة وقد ورد كلا المعنيين في القرآن، لكن الذي يقترن بالمادة اللغوية (ع ل م) هو الأول دون الثاني، وهناك من أرجع احد البنائين الى الآخر، فالمبرد يرد الصناعة الى المبالغة (76) ، وكذا الرضي، أي: إن الفعل لما كثر وتكرر أصبح له كالآلة (77) ، في حين عكس ابن طلحة الأمر، وجعل الصناعة هو الأصل وتبعه في ذلك الدكتور فاضل السامرائي (78) .

وفي كلا الاستعمالين ثمة تكرار للفعل وكثرة، وهذا يقتضي المزاولة والتجدد كما يذهب السامرائي (79) . ولكن يبقى الكلام المتقدم من لوازم عالم الإمكان، فإذا ما

أطلق الوصف على المجردات المحضة، سلب هذا اللازم منه، ولحظ فيه المعلوم، سواء أكان كليا ً أم جزئيا ً، ... وعاما ً أم خاصا ً. . . ولا يخفى ان هذا البناء يعطي من المبالغة ما لا يعطيه البناء المتقدم، لذا لم نجده يطلق إلا على الله، ولم يكن متعلقه إلا الغيب. يقول العلامة المصطفوي:"والعليم: يستعمل في مورد يشار فيه الى ثبوت صفة العلم وتثبته. . . والعلام: يستعمل في مورد يشار فيه الى كثرة الإحاطة والعلم" (80) .

قال تعالى: {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} سورة المائدة / 109. {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} سورة المائدة/ 116.

استعمل البناء في الآية الأولى - في سياق مخاطبة الله أنبياءه عن ماذا أجابتهم أممهم حيال التبليغ، فأجابوا بنفي العلم عنهم، وإثبات العلم الكلي لله، وهو على ما قيل نحو من التأدب مع الله عز وجل؛ لأنهم أعلم بما أجابوا (81) ، وإثبات العلم له عز وجل بصيغة المبالغة فعّال يدل على كماله في العلم (82) ، وإضافته الى الغيوب يكشف عن حق العلم الذي لا يوجد عند غير الله عز وجل (83) .

وهو يشعر بان علم من سواه ضعيف لا يرقى الى مكنونات الغيب وخزائنه المستورة.

وفي الآية الثانية يعلق العلامة الطباطبائي في استعمال البناء مضافا ً الى الغيوب بقوله:"ان العلم التام بجميع الغيوب منحصر فيه فما كان عند شيء من الأشياء وهو غيب عن غيره فهو معلوم لله سبحانه وهو محيط به ولازم ذلك أن لا يعلم شيء من الأشياء بغيبه تعالى ولا بغيب غيره الذي هو تعالى عالم به لأنه مخلوق محدود لا يتعدى طور نفسه فهو علام جميع الغيوب ولا يعلم شيء غيره تعالى بشيء من الغيوب لا الكل ولا البعض" (84) .

وإذا كان الغيب يمثل الجانب غير المدرك للإنسان، أو الجهة التي لا تنفذ له حواسه وقواه المدركة، فان تعلق العلم الإلهي به بصورة المبالغة يشعر بنقص الأدوات الإدراكية للإنسان وعظمة الذات الإلهية.

والمبالغة منظور اليها من خفاء تلك العوالم على سعتها عن علم الإنسان الذي اقتصرت يده على ما في عالم الملك والشهادة المحاط بجدران الزمان والمكان.

ز - بناء فِعْل

يأتي هذا البناء وصفا ً ومصدرا ً واسما ً صريحا ً مثل: مِلح ورزق - وهو على غير قياس (*) - وذئب. والمستعمل مع المادة هو المصدر عِلْمَ وهو من المصادر غير القياسية للفعل الثلاثي، يدل على الحدث المجرد. أو مجرد الحدث من غير تعرض لزمان (85) . وقد ورد في القرآن كثيرا ً.

قال تعالى: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} سورة الأنعام / 80. إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ

عِلْمٌ سورة هود / 46. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} ... سورة البقرة / 255. قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ

وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ سورة الأحقاف / 23.إن البناء المتقدم يعطي معنى الحدث المجرد، فلا يخبر به

عن الذات كما في عالم وعلامة وعليم، بل هو اسم معنى تحصل به الذات معنى من المعاني، وتطلق عن التقيد بالزمن.

يأتي المبنى المصدري في سورة الأنعام ليدل على المعنى المطلق من كل جهة، فيسع كل شيء، أي إن الموجودات كلها تحت حيطة العلم الإلهي.

وقد جاء في سورة هود مرتبطا ً في سياق النهي عن السؤال بغيره أي العلم في قصة نوح (ع) مع ابنه، فالذي لا يعلمه نوح (ع) ليس العلم المطلق بل هو العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت