بخصوص ابنه، وتحقق إيمانه، وقد خصصه السياق عن إطلاقه بالحادثة، فان كان مؤمنا ً، فهو من أهلك، وأهلك لا سبيل الى لحوق العذاب بهم وإدراكهم، أما إذا لم يكن مؤمنا ً فهو ليس من أهلك، وسيشمله العذاب، وهذا هو العلم الذي لم يصل اليه النبي نوح (ع) (86) .
وفي سورة البقرة جاء المبنى ليدل على المعلوم لا الحدث المجرد، وهو ما ذهب إليه جمع من الأكابر كالرازي (87) والالوسي (88) وابن عاشور (89) .
وللعلامة الطباطبائي توجيه آخر، يحمل فيه العلم على المعنى المصدري، إذ يقول:"ان العلم كله لله ولا يوجد من العلم عند عالم إلا وهو شيء من علمه تعالى، ونظيره ما يظهر من اختصاص القدرة والعزة والحياة بالله تعالى، قال تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} وقال: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} وقال تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. . .} (90) . والمتعين عندي هو المعنى المصدري؛ لأن عدم الإحاطة يعني الافتقار الى العلم المستقل بالذات الذي يؤهلهم لبلوغ العلم الإلهي،، وأنى لهم ذلك، فعلمهم غيض من ذلك الفيض، وفي سورة الأحقاف جاء المبنى مع أداة القصر إنما - ليدل على أن أصل العلم لله عز وجل وما نعلمه بفيض منه عز وجل، وقد ذكر البناء في حوار النبي مع قومه، وهو يرشدهم ويوجههم الى صلاح الأمور والعاقبة الحسنة، وهم ينأون عنه، ويطلبون منه أن يأتيهم بالعذاب، فعلق النبي مقترحهم بالعلم الإلهي الذي لا يحيط به احد، وفي هذا ... يقول الطباطبائي:"قصر العلم بنزول العذاب فيه تعالى لأنه من الغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله جل شأنه، وهو كناية عن انه ( d) لا علم له بأنه ما هو؟ ولا كيف هو؟ ولا حتى هو؟. . ." (91) ."
وتعريف العلم بعد أداة القصر يشعر بان العلم كله عند الله، ويحصل عليه غيره منه عز وجل بالإفاضة والإشراق أو بالإعداد والتمكين والتسخير، ومظهر العلم بالآية هو الأمور الغيبية التي لا تنال إلا بتعليم منه عز وجل.
وهنا نكتفي عن أخذ المباني الأخرى لهذه المادة؛ لأنها تخرج البحث عن استقصاء الخصوصية الجامعة التي يظهر بها المفهوم القرآني، وقد سلك أوجها ً متعددة، وتقمص صورا ً متنوعة، فأعطى من الدلالات الصرفية الشيء الكثير للنص، لذلك أبعدنا بناء عالمين وأعلام وعلامات، وركزنا على حركة المفهوم الواحد الذي يلبس أبنية متعددة.
المحور الثالث
مراتب (*) المفهوم:
كان من المتوقع بعد أن عالجنا التصاريف البنائية للمفهوم، والجهات الاشتقاقية التي يركن اليها في الاستعمال العربي، أن نركز على الجهات المشتركة والجهات المختلفة للمفهوم من حيث النسبة والاطلاق.
إن العلم من المفاهيم التي كثر ذكرها في القرآن الكريم؛ لأنه يمثل ركنا ً شديدا ً تتكئ عليه الحياة في نموها وتطورها، فالطفل ينمو وفي جنبيه بذرة الاستقبال الواقع الخارجي، واكتساب كل ما من شأنه أن يعرفه على الحياة، ويفهمه الحقيقة والواقع. . .، وبمرور الزمان تتراكم صور الأشياء في ذهنه، ويقوم بفرزها وتحليلها، ومن ثم تتكشف أسرار وأسرار خفيت عليه، وغابت عنه ... {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم من بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} سورة النحل / 78. ولما كانت هذه المراحل أي: التعرف الى الأشياء من حوله تحصل بالتدريج، وبشكل عفوي، حدا ببعض الباحثين أن يؤكد خلو العلم من أي تعريف؛ لأنه من أعرف الأشياء، ولا يوجد شيء أعرف منه حتى يوضحه ويرفع إبهامه (92) .
نعم، بعدّ هذا الشيء من أوضح الأشياء الى الإنسان، لا يعني أن ننكر الحقول المعرفية التي لا يستطيع الإنسان نيلها أو يحصل عليها بحكم وضعه ومرتبته وخصوصا ً تلك العلوم التي تحتاج الى بذل الجهد وتحمل المشاق في تحصيلها، مما يترتب عليها تمايز الأشخاص وتخصصهم في نحو من أنحاء شؤون الحياة، وهذا بحد ذاته يعد حاجة ماسة لوضع حقول معرفية تجزأ من خلالها العلوم وتقسم على أقسام لتنهض ثقافة رتيبة، ونسق منظم يسهل على المتلقي التقبل والربط بين موضوعات كل علم، فمثلا ً كان النحو والصرف يدرسان جنبا ً الى جنب، ومثل هذه الدراسة تفوت على الطالب معرفة موضوع كل منهما، ولكن استجابة لمتطلبات الحضارة والعمران، وانفتاح العقول وسعيها وراء الجدة والابتكار دفعها الى التقسيم، فأصبح - مثلا ً - علم النحو يهتم بالتركيب، وعلم الصرف يهتم بالمفرد وأحكام بنائه.
يقول محمد تقي مصباح:"أن تقسيم العلوم وتبويبها كان من اجل سهولة التعلم والتأمين الأفضل لأهداف التربية والتعليم" (93) .
وقد رافق هذا التقسيم - كما هو واضح - مجموعة من المحددات، استقل في ضوئها المعلوم وتمايز عن غيرها، فاحتاج الى التوضيح (التعريف) لأن من لوازم التقسيم هو التمايز والاتفاق.
وبالجملة فان العلم من حيث إطلاقه غني عن التعريف؛ لأنه من شؤون الإنسان، ولكن من حيث تقسيمه وتبويبه يحتاج الى توضيح المعلوم المتعلق به، وبمعنى هو توضيح لمصاديقه وخصائصها، ومن هنا كثر الحديث عن هذا المفهوم من جهة العالم والمعلوم، فهناك ذوات
متباينة كالذات الواجبة، والملائكة المجردة، والموجودات المودعة في مهد المادة، سواء أكانت عاقلة أم غير عاقلة، متحركة بالإرادة أم بغيرها، ولكل هويته وحقيقته، فينسب إليه المفهوم، من دون أن يكون ثمة
حيف في الإطلاق وآيات القرآن ناطقة بذلك. قال تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} سورة البقرة / 29. {أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} سورة البقرة / 231. {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} سورة الأنعام / 80. {وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة / 261. {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة
لقمان / 34. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} سورة الأنعام / 119. {وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} سورة البقرة / 95. {فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} سورة آل عمران / 63. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} هود / 5. {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} سورة يونس / 18. {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ} سورة الرعد / 33. {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} سورة الكهف /