والمنابر، واستولى النهب على ما فيها من العدة والذخائر، والسلاح، وتلاشى أمرها فلم يرج لفسادها صلاح، وصارت قاعًا صفصفًا، وأديلت بأيام الترح عن أيام الفرح والصّفا.
ويروى أن بعض أولياء ذلك الزّمان مر بها، ونظر إلى مصانعها السامية الفائقة، ومبانيها العالية الرائقة، فقال: يا دار فيك من كل دار، فجعل الله منك في كل دار، قال الحاكي: فلم تكن بعد ذلك دعوة الرجل الصالح إلا أيام يسيرة حتى نهبت ذخائرها، وعمّ بالخراب سائرها، فلم تبق دار فيالأندلس إلى ودخلها من فيئها حصة كثيرة أو قليلة، وحقق الله تعالى دعاء ذلك الرجل الذي همّته مع ربّه جليلة.
وقد حكي أن بعض ما نهب منها بيع ببغداد وغيرها من البلاد المشرقية، فسبحان من لا يزول سلطانه ولا ينقضي ملكه لا إله إلا هو.
وتذكرت هنا ما رآه في المنام بعض أهل المغرب بالليلة التي انقرض فيها ملك الموحّدين أن شخصًا ينشده:
ملك بني مؤمن تولّى ... وكان فوق السّماك سمكه
فاعتبروا وانظروا وقولوا: ... سبحان من لا يبيد ملكه لا إله إلاّ هو.
وكان المهدي القائم على العامريين ماجنًا فاتكًا، وقال - وقد حيّاه في مجلس شرابه غلام بقضيب آس (1) :
أهديت شبه قوامك الميّاس ... غصنًا رطيبًا ناعمًا من آس
وكأنّما يحكيك في حركاته ... وكأنّما تحكيه في الأنفاس وكان المنصور بن أبي عامر حين تغلب على ملك الأمويين غير مكترث بمثل
(1) انظر ص: 577.