عفا الله عنك، ألا رحمة ... تجود بعفوك أن ابعدا
لئن جلّ ذنبٌ ولم أعتمده ... فأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبدًا عدا طوره ... ومولىً عفا ورشيدًا هدى
ومفسد أمرٍ تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الرّدى
عود وانعطاف إلى أخبار المنصور بن أبي عامر رحمه الله تعالى، وجازاه عن جهاده أفضل الجزاء بمنّه وكرمه وفضله وطوله، فنقول:
وكان له في كل غزوة من غزواته المنيفة على الخمسين مفخر من المفاخر الإسلاميّة، فمنها أن بعض الأجناد نسي رايته مركوزة على جبل بقرب إحدى مدائن الروم، فأقامت عدّة أيام لا يعرف الروم ما وراءها بعد رحيل العساكر، وهذا بلا خفاء ممّا يفتخر به أهل التوحيد على التثليث (1) ، لأنّهم لما أشرب قلوبهم خوف شرذمة المنصور وحزبه، وعلم كلّ من ملوكهم أنّه لا طاقة له بحربه، لجأوا إلى الفرار والتحصن بالمعاقل والقلاع، ولم يحصل منهم غير الإشراف من بعدٍ والاطلاع.
ومن مفاخر المنصور في بعض غزواته أنّه مرّ بين جبلين عظيمين في طريق عرض بريد (2) بوسط بلاد الإفرنج، فلمّا جاوز ذلك المحل - وهو آخذ في التحريق والتخريب والغارات والسبي يمينًا وشمالًا - لم يجسر أحد من الإفرنج على لقائه، حتى أقفرت البلاد مسافة أيام، ثم عاد فوجد الإفرنج قد استجاشوا من وراءهم، وضبطوا ذلك المدخل الضيق الذي بين جبلين، وكان الوقت شتاء، فلمّا رأى ما فعلوه رجع واختار منزلًا من بلادهم أناخ به فيمن معه من العساكر، وتقدم ببناء الدور والمنازل، وبجمع آلات الحرث ونحوها، وبث سراياه فسبت
(1) ك: أهل التثليث.
(2) عرض بريد: سقطت من ط.