الصفحة 645 من 713

وهيهات كم من ملك كفّنوه في دمائه، ودفنوه بذمائه، كم من عرشٍ ثلّوه (1) ، وكم من عزيز ملك أذلوه، إلى أن ثار فيها ابن عكاشة ليلًا، وجرّ إليها حربًا وويلًا، فبرز الظافر منفردًا عن كماته، عاريًا من حماته، وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه، فإنّه كان غلامًا كما بلله (2) الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم أكثر ليله، وقد منع منه تلاحق رجله وخيله، حتى أمكنتهم منه عثرة لم يقل لها لعا، ولا استقل منها (3) ولا سعى، فترك ملتحفًا بالظلما (4) ، تحت نجوم السما (5) ، معفّرًا في وسط الحمى (6) ، تحرسه الكواكب، بعد المواكب، ويستره الحندس، بعد السندس، فمرّ بمصرعه سحرًا أحد أئمّة الجامع المغلّسين، فرآه وقد ذهب ما كان عليه ومضى، وهو أعرى من الحسام المنتضى، فخلع رداءه عن منكبيه ونضاه، وستره به سترًا أقنع المجد به وأرضاه، وأصبح لا يعلم رب تلك الصنيعة، ولا يعرف فتشكر له يده الرفيعة، فكان المعتمد إذا تذكر صرعته، وسعّر الحزن لوعته، رفع بالعويل نداءه، وأنشد:

ولم أدر من ألقى عليه رداءه (7) ... ولمّا كان من الغد حزّ رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم، ويرشق نفس كل ناظر بألم، فلمّا رمقته الأبصار، وتحققته الحماة والأنصار، رموا أسلحتهم، وسوّوا للفرار أجنحتهم، فمنهم من اختار فراره وجلاه، ومنهم من أتت به إلى حينه رجلاه، وشغل المعتمد عن رثائه بطلب

(1) ط: فلوه.

(2) ك: قد بلله.

(3) ك: استقال منها؛ ق: انتقل منها.

(4) ق ك ط: في الظلما؛ ج: ملتفعًا في الظلما.

(5) تحت نجوم السما: ساقطة من القلائد.

(6) ك: وسط اكما؛ ط: الجما.

(7) صدر بيت لأبي خراش الهذلي، وعجزه:"على أنه قد سل عن ماجد محض".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت