فهرس الكتاب
إن المعيار الوحيد هو مخالفة المألوف ، الذي يستطيع أن يجذب تفاخر الزبائن المؤقت ، ويحضر استراتيجية التبذير للدخول إلى"سوق الفن"، استراتيجية عبر عنها أحد التجار بقوله: يجب علينا أن نقدم للأمريكي ـ وبكل الوسائل ـ ، فكرة شيخوخة العمل الفني . ويجب أن يتعلم جامعوا اللوحات ، وضع اللوحات القديمة في حاويات القمامة ، شأنها في ذلك ، شأن السيارات والثلاجات القديمة ، عندما يحل محلها لوحات وسيارات وثلاجات من طراز أحدث .
لا يحدث مثل هذا الموقف ، إلا عندما قيم الماضي ، كما حدث في الحرب 1914 ـ 1918 ، هذه الفترة الشاذة الدامية من بين كل الحقب ، والتي دفعت بالغزاة والمغزوين ، ثلاثين عاما إلى الوراء ، وبذرت بذور كل الانظمة الفاشية . ومن قبيل السخرية بالصروح التذكارية لتخليد أموات الحرب ، قام السيرياليون بتدشين مبولة عامة في قلب باريس ، وقام مالفيتش في الطرف الاقصى الثاني من أوروبا بعرض لوحة"مربع أبيض على أرضية بيضاء"، لكي يرمز إلى انتحار الحضارة والفن الذي يزعم انه يعبر عنها .
وعندما أعلنت الحرب كتب فلامينك ، معبرا عن انهيار العالم ، وأخلاقه ودينه وفنه: عندما انهيت خدمتي العسكرية ، أعلنت ثورتي ضد القناعات قصيرة النظر لمجتمع خاضع لقوانين أنانية وضيقة . وقد دفعتني الحاجة للتعبير عن هذه الثورة إلى الكتابة والرسم . كانت أقل صدمة كافية لأن تفجر هذه المشاعر .
لقد فتح الرسم لي متنفسا ، وحالة من الثبات ، وبدونه ، أي لو لا هذه الموهبة ، لساءت حالي . إن ما لم أستطع أن أفعله في الحياة ـ كأن أفجر قنبلة مثلا مما كان سيقودني إلى حبل المشنقة ـ حاولت أن أحققه عن طريق الفن ، فن الرسم . ورضيت حينها عن ارادتي في تدمير قناعات قد شاخت ، و"أن أعصي"كي أخلق عالما آخر . هكذا كان الغضب الصافي وكانت حركة"الوحشيين".