فهرس الكتاب
وبالمقابل ، يتكلم النقد الذي يتناول فن الخواء هذا ، والذي تدعوه المجلات المختصة"بالفن المقزم"، يتكلم عن العمل الفني أقل مما يتكلم عن أهداف الفنان ، الذي يمنحونه الالقاب الاكثر فخامة: الفورتيسيزم ، الاورفيزم ، جماعة كوبرا ، رسم تجريدي .. إلخ ، بينما كان ما عرض علينا مجموعة من أعقاب الزجاجات ، أو كبة امتزج فيها الصوف بالخيوط وسموها سجادة .
لا شيء في هذا القرن يهدف إلى الايقاظ ، إنما إلى التخدير ، كما يجري في حفلة موسيقية تعزف ألحانها بقوة 130 ديسبل (بينما تصبح الاذن فيزيولوجيا صماء انطلاقا من سماع صوت شدته 90 ديسبل) . ودون التطرق لمسألة القيمة الموسيقية ، فإن سوناتا لشوبان تعزف بمثل قوة الصوت هذه سينتج عنها نفس الخدر في الوجدان والروح النقدية ، وخاصة إذا ما أضيف إليها المؤثرات الضوئية المنسقة التي تغمر الصالة لزيادة التأثير المخدر .
وتعاني الهندسة المعمارية نفس الوضع اللاإنساني ، بدلا من أن تكون إغناء لحياة المجتمع ، الذي يعيش في عالم يرفع فيه"البونكس"عبارة"لا مستقبل"، مكتوبة على قمصانهم . ففي الشارع نفسه"شارع بوبورج"الذي تنتصب في أفقه كنيسة نوتردام ، تبرز أنابيب ملونة توحي وكأن المرء يشاهد مصنعا لمعالجة النفايات .
هذا الوسواس ، وسواس التجديد من أجل التجديد ، يقود في كل الاصقاع ، إلى الغاء فكرة التجديد من حضارة الإنسان .
إن حداثة البوب آرت ، و"الموجة الجديدة"، و"الرواية الجديدة"، كلها زائلة ، شأنها في ذلك شأن انتشارها الفوري ساعة ولادتها . ويحمل التجديد في كل هذه الميادين قاسما مشتركا ، مع الاقتصاد المسيطر . وقد وضع أحد الخبراء مسألة التجديد هذه على الشكل التالي: إن ما هو ضروري إفراغ المسألة الفلسفية من الغائية . (ميشيل ألبرت ـ الرأسمالية ضد الرأسمالية) .
هكذا ولد ما دعاه جيل ليبوفسكي بـ"فن الخواء".