فهرس الكتاب
كما شاعت في الشعر الجاهلي إضافة الإنسان إلى المكان وبالعكس، وعبر هذه التبادليّة سوف نتلمس مدى التلازم بين المكاني والاجتماعي، فيثرب التي كانت ميدانًا للصراع الدموي لحرب الأيام بين الأوس والخزرج كانت حاضرة [ سواء ذكرت مباشرةً أم تلميحًا ] في السجالات الشعرية التي دارت بين شعراء الفريقين المتحاربين، ولكنه حضور يتجاوز أبعاد الدلالة على المكان في ذاته إلى دائرة الأغراض الشعرية من فخر ومدح وهجاء، وهذا بحدّ ذاته يدخل في المكونات النفسيّة والشعورية ( الوجدانية ) للشعراء، ففي حرب الربيع الظَّفَري التي اقتتل فيها الأوس والخزرج قتالًا شديدًا، وكان أشدَّ قتال بينهم، نجد الشاعر حسان بن ثابت الخزرجي في فخره بقومه، يتغنى بيثرب المكان فيقول: [1]
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا ... إِذا أَلْبَسَ الحَقَّ مِيزَانُها [2]
ويَثْرِبُ تَعْلَمَ أَنَّا بِهَا ... إِذا قَحَطَ القَطْرُ نَوْآنُها [3]
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنّا بِهَا ... إِذا خَافَتْ الأَوْسَ جِيراَنُها [4]
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أنَّ النَّبيتَ ... عند الهَزَاهِزِ ذُلاَّنُهَا [5]
ويَثْرِبُ تَعْلَم أنَّ النَّبيتَ ... لَيْسَتْ بِشَيءٍ وأَعْوانُها
متى تَرَنا الأَوْسُ في بَيْضِنا ... نَهُزُّ القَنَا تَخْبُ نِيرانُها [6]
(1) انظر: ديوانه ص 313 - 314.
(2) ألبس الحق: من اللبس, وهو اختلاط الأمر
(3) القطر: المطر. نوآنها: الأنواء, إذا ألمّ بها القحط والجدب كنا مطرها
(4) إذا غدرت الأوس بجيرانها: أجرناهم من هذا الغدر.
(5) النبيت: عمرو بن مالك بن الأوس. الهزاهز: الحروب والشدائد. ذلاتها: أذلاؤها.
(6) البيض: من الحديد, أي لباس الحرب. وتخب: تضعف.