فهرس الكتاب
لقد سجلت يثرب حضورها المتكرر في أبيات حسان كحقيقة مكانية، ولكن الشاعر استطاع أن يتجاوز بها حدود المكان إلى ما هو أبعد من ذلك، فربطها باللحظة النفسيّة والوجدانية التي انسالت فيها كلماته، إنها علاقة تبادل شعوري، يتحول فيها البراني إلى جواني، والجواني إلى براني، ولكأنه أراد بصيغة التكرار والعلم"ويثرب تعلم"
[ أنسنة المكان ] واستنطاقه ليكون شاهدًا على ما أراد أن يفخر به سواء لجهة قومه أو لجهة التقليل من خصومه.
وبالقدر ذاته نجد يثرب حاضرة في أبيات قيس بن الخطيم عندما يرد على حسان بن ثابت ويفخر بقومه. يقول: [1]
وَنَحْنُ الفوارِسُ يومَ الرُّبَيْـ ... ـعِ قَدْ عَلِموا كَيْفَ فُرْسانُها [2]
ولاقَى الشَّقاءَ لدى حَرْبِنا ... دُحَيٌّ وعوفٌ وإِخوانُها [3]
وَقَدْ عَلموا أَنْ مَتَى نَنَبعِثْ ... على مِثْلِها تَذْكُ نيرانُها [4]
ولولا كَراهَةُ سَفْكِ الدِّماءِ ... لعادَ لِيَثْربَ أَدْيَانُها [5]
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبيـ ... تَ راسٍ بيثرِبَ مِيزانُها [6]
وبالشْوطِ من يَثْربَ أَعْبُدٌ ... سَتَهْلِكُ في الخَمْر أَثْمانُها [7]
يَهونُ على الأَوْسِ أَثْمانُهم ... إذا راحَ يَخْطِر نَشْوَانُها [8]
(1) انظر: ديوانه ص 66.
(2) الرُّبيع: الجدول الصغير في لغة أهل المدينة. والجدولة لغة أهل اليمامه, وهو هنا يشير إلى يوم الربيع.
(3) لاقى الشقاء, أي: الشدة والمعاناة. دُحي وعوف: من الخزرج أبناء عم مالك بن النجار.
(4) بعثه على الشيء: حمله على فعله. والضمير في ( مثلها) و ( نيرانها) يعود إلى الحرب.
(5) أديانها: جمع دين وهي الأمور التي تعارفوا عليها, وقيل: الدين: العادة.
(6) راس: ثابت
(7) الشوط: اسم حائط و يعني بستانًا بالمدينة.
(8) يخطر, أي: إذا تبختر.