فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 19

وإذا كان ابن الخطيم يرد على حسان بقصيدة نقيضه، فإنه مع ذلك لا يريد للقوة أن تكون عمياء صماء، فشجاعتهم في إشعال الحرب تقابلها شجاعة في إطفائها، وهذا ما أبرزه في كراهة سفك الدماء، دون أن ينسى تمثلهم لقيم المجتمع التي كانت سائدة ومعروفة. وعندما يقول"ويثرب تعلم"لا يريد من العبارة مجرد التكرار وحسب، بل هو حضور متفاعل يأتي بمثابة الشاهد على ما يقول من الداخل النفسي والخارج المكاني.

كما يتكرر مشهد الحضور المكاني لـ ( يثرب ) في أبيات عبد الله بن رواحة عندما يَرُّدُّ على قيس بن الخطيم في يوم الفضاء. يقول: [1]

مَتَى ما تَأْتِ يَثْرِبَ أَوْ تَزُرْها ... تَجِدْنا نَحْنُ أَكْرمها جُدودا

وأَغْلَظَها على الأَعداءِ رُكْنًا ... وَأَلْيَنَها لباغي الخَيْر عُودا

وأَخْطَبَها إذا اجتَمعوا لأَمْرِ ... وأَقْصدَها وأَوْفاها عُهُودا

فالشاعر ابن رواحة يقرن ( يثرب ) المكان بمفردات الأمان، والكرم والشجاعة، والشدة على الأعداء، والحكمة والعدل والوفاء، فإذا هي تحل في المسافة الممتدة بين قومه وبين المتلقين ( القادمين أو الزائرين ) ولعله بهذا الحضور يكشف عن وشيجة متوضعة في النفوس تحبب الانجذاب إلى المكان كما ينجذب العاشق إلى معشوقه.

خلاصة القول: لقد سجل المعطى الاجتماعي لـ ( يثرب ) حضورًا دائمًا تجاوز حدود المكان إلى ما بعده في علاقة تبادلية تداخل فيها الوجداني بالطبيعي في لوحة فريدة، صاغتها عبقرية الشاعر المبدع الخلاق.

خاتمة:

(1) الأبيات: في ديوان شعر الأيام, جمع وتحقيق ودراسة د. عفيف عبد الرحمن, ص 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت