تركت يثرب أثرًا طيبًا في نفوس الشعراء الجاهليين ولاسيما شعراء (الأوس والخزرج) وقد تجلى ذلك في قصائدهم حتى غدت القصيدة وثيقة من الوثائق التي لا يمكن الاستغناء عنها عند التعرف على البيئة وأطراف الحياة الأخرى [1] ولكنَّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن كيف برز هذا التجلي في الشعر؟ لعل الإجابة على ذلك تستلزم الوقوف عند معطيات تبرز هذا الحضور منها:
أ- المعطى المكاني ( الطبيعي ) :
ويقصد به التشكل الجغرافي والتقسيم الطبوغرافي للمكان ذاته، فقد وصَّف الشعر الجاهلي، ملامح البيئة العربية في ( يثرب ) تلك البقعة من حواضر الحجاز، مسجلًا بذلك كل حركات الطبيعية الصامتة من أرض وسهول وأودية وجبال وأشجار وينابيع وغيرها. .. وهنا يغدو النص الشعري"مجرد تصوير لمعطى بصري أو إحساس"
بصري. ..دون الحاجة إلى رمز أو تشكيلات فنيّة في الصور أو الصور المتلازمة في النص" [2] أي أن موضوع الحديث عن المكان في الشعر يعكف على وصف أشيائه وتفاصيله وأجزائه. ومن دراسة الشعر اليثربي نتعرف على جغرافية المدينة وبيئتها الزراعية الخصبة، ومدى غناها بالنخيل والمياه والينابيع. يقول حسان بن ثابت مبرزًا ذلك: [3] "
لنا حَرَّةٌ مَأْطُورَةٌ بِجِبالِها ... بَنَى العِزُّ فِيها بَيْتَه فَتَأهَّلا [4]
بها النَّخْلُ والأَعْنابُ تَجري خِلالَها ... جَدَاوِلُ قَدْ تَعْلو رِقاقًا وَجَرْولاَ [5]
(1) الأدب في العصر الجاهلي, د. عاطف حميد عواد, ص 58.
(2) مكة وتجليات المكان في الشعر العربي, د. وليد مشوّح, مجلة التراث العربي, دمشق العدد / 102 / لعام 2006, ص 59.
(3) الأبيات في ديوانه ص 275.
(4) الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرات, كأنها أحرقت بالنار, والجمع حرّات وحرار ( اللسان: حرر ) مأطورة: محاطة. تأهل: اتخذ أهلًا.
(5) الرقاق: الأرض الصلبة المستوية, والجرول: الموضع في الجبل الكثير المجاري.