وما ذلك إلاّ لأنّه بالإعراب تميّز المعاني، ويوقف على أغراض المتكلِّمِيْنَ [1] ، ومن هنا كان لا بدّ أَنْ يراعى المعنى في فهم حقيقة المراد من التّركيب أو الجملة أو العبارة أو المفرد قبل إعرابه، فإنّه فرع المعنى [2] ، ويقول ابن هشام معبّرًا عن ذلك أدقّ تعبير: «وها أنا مورِدٌ بعون الله أمثلةً، متى بُنِيَ فيها ظاهر الّلفظ ولم ينظر إلى موجب المعنى، حصل الفساد، وبعض هذه الأمثلة وقع للمعربين فيه وهمٌ بهذا السّبب... أحدها قوله تعالى: {أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء} [3] ، فإنّه يتبادر إلى الذّهن عطف"أنْ نفعلَ"، على"أنْ نتركَ"، وذلك باطلٌ؛ لأنّه لم يأمرْهم أنْ يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون، وإنّما هو عطفٌ على"ما"، فهو مفعولٌ للترك، والمعنى"أنْ نترك أنْ نفعل..."، وموجب الوهم المذكور أنَّ المعربَ يرى"أنْ"والفعل مرّتين، وبينهما حرف العطف» [4] ، وقد ذكر ابن هشام أنّه من الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، أنْ يراعيَ ما يقتضيه ظاهرُ الصّناعة، ولا يراعي المعنى، إذ كثيرًا ما تزلُّ الأقدام بسبب ذلك [5] ؛
(1) ابن فارس، أحمد، الصّاحبي في فقه الّلغة وسنن العرب في كلامها، المكتبة السّلفيّة، القاهرة، 1328هـ، ص42.
(2) الزّركشيّ، بدر الدّين محمد، البرهان في علوم القرآن، تحـ. محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج1، دار المعرفة، بيروت - لبنان، د.ت، ص302.
(3) سورة هود، الآية 87.
(4) الأنصاريّ، جمال الدّين بن هشام، مغني الّلبيب عن كتب الأعاريب، تحـ. مازن المبارك ومحمّد عليّ حمد الّله، ط5، مؤسّسة الصّادق، طهران، 1378هـ، ص686.
(5) الأنصاريّ، جمال الدّين بن هشام، مغني الّلبيب عن كتب الأعاريب، ص684..